أسئلة الفكر وأجوبتها (4)

المسألة الأولى: مجيئ القرآن للناس كافة الى قيام الساعة (باق ما بقيت الأرض) يقابل حقيقة  الرّسالات السابقة التي نزلت لقوم محددين ولفترة زمنية محدودة، حيث النسبية التي نلحظها في الكتب السماوية السابقة وفي معجزات الأنبياء السابقين التي هي منتفية عن القرآن، فهو قد تجاوز النسبية إلى المطلق، ومن خصائص الخلق النسبية والتحيز، فأين نصنف القرآن وجوديا وفلسفيا؟

الجواب: لعل الفارق بين الوحي المحمدي وبين ما سبقه من الوحي كامن في أن الوحي المحمدي ليس مجرد وحي إنما وحي خاتم للوحي، وهذه الميزة الشكلية تقتضي ميزة في المضمون أيضا، وهو ما ورد في سؤالك بأنه ينحو نحو الإطلاق وتجاوز النسبية.

إلا أن المفارقة تكمن في أن نص القرآن واضح التحيز من حيث ظاهر نصه اللغوي، فهو ليس فقط توجَّهَ بلغة القوم الذين نزل فيهم، بل أيضا نزل وفقا لأسباب نزول دقيقة ومحددة اقتضتها سياقات ثقافية واجتماعية وسياسية، وهذا يضعنا أمام حقيقة النسبية في الظاهر النصي (المبنى) والإطلاق في عمقه الدلالي (المعنى)، وهنا بالتحديد تأتي ضرورة تدخل العقل ليعمل عمله المطلوب والسليم؛ فلأبين دلالة الأعمال المطلوب للعقل والسليم كما يلي:

1- إعمال العقل المطلوب: هو تحفيز العقل على أداء الجهد الاستدلالي وعدم الركون إلى فكرة أن القرآن ناجز وجاهز ولم يبق إلا التطبيق وكأنه لا يحتاج لاستخراج مكنوناته، وجهد الاستدلال العقلي هنا موجّه لتفكيك الربط بين مبنى النص النسبي ومعناه المطلق، أعني استخلاص القوانين الوجودية، خذ لك ما أوردته في هامش نصي عن لا تاريخية القرآن: “النص القرآني قد جعل من الأشياء الماهوية (الروحية) أمورا ممكنة من خلال تجسيدها في معاني لغوية/لفظية، أي أنه أقحم المعاني المتعالية في عالم الطبيعة، وتلك هي الإضافة الناتجة للقرآن في الطبيعة، فهو ليس مجرد تفسير للكون المادي واللامادي وإنما إضافة نوعية فيه ذلك أنه جعل من المعاني الوجودية المتحركة مظهريا حقائق ثابتة، فيستحيل خلود النص بمجرده إلى جوهر، وإمكان ذلك يعود إلى الواسطة الأداة المستعملة بين الحقيقة الوجودية الثابتة ومعناها الذهني المتحيز وهي اللغة، فاللغة إذن بماهي ترميز تأخذ مع خلود النص القرآني تمايزا إضافيا بأنها تمنح الخلود للحقيقة الوجودية بينما المعنى المتوارد على الأذهان شديد التغاير”.

2- إعمال العقل السليم: لئلا يتجه عمل العقل إلى الاشتغال على النص باعتباره إرثا تاريخيا متحيز لا إطلاق فيه وبالتالي تفكيكه داخليا بالسعي لإبراز أسطوريته ولا عقلانيته، وخارجيا بمحاولة رد الناس عن الارتباط به كليا، واعتباره كتابا على غرار الكتب الإنسانية كما تفعل بحوث ودراسات، بينما الأمر يقتضي ضرورة التخلي عن الحكم المبدئي في صدق مقولة الخلود من عدمه إلى تمحيص ذلك انطلاقا من عمق النص، أي أن المنطلق السليم للتعامل مع القرآن ليس تقديم حكم مسبق سواء بخلوده أو عدم خلوده، بل هو بالدخول مباشرة في خضم نصوصه للتحقق بشرط حيازة المعايير العلمية الكافية، وذلك يفيد المؤمن في التحقق بنفسه من حقيقة ما يؤمن به حتى يكون إيمانا قائم على تجريب حدسي يوظف الأدوات المعرفية في ذلك.

أخيرا فإن هذا يعني أن القرآن لا تصنيف له في الوجود ما دام جوهرا يحتاج للإيضاح، فلا يمكن تصنيف أي شيء مادمنا لم نصل إلى استكشاف مضامينه، ولا أعتقد أننا سنصل يوما إلى تصنيفه لأنه سيبقى يحتفظ بكمون المعاني إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها… فهو سيبقى متعاليا إلى الأبد، وهو أعلى حتى من “الماهيات الجوهرية” ويتعالى على مرحلة “الفعل المؤسس” (كما سأبينهما في جواب المسألة التالية) لأنه يصدر عن معين اللوح المحفوظ.

المسألة الثانية: من خصائص ومميزات المعجزة خرق قوانين الطبيعة، وإذا كان كذلك فمن المفترض أن يكون القرآن قد خرق قانونا طبيعيا، لكن أي قانون قام بخرقه؟ من الملفت للنظر أن القرآن الكريم مهيمن على الكتب السماوية السابقة وليس مواز لها، وهذه الهيمنة توحي إلى وجود خاصية إعجازية فيه تَفضُل عن معجزات صاحبت الكتب المنزلة سابقا؟

الجواب: ذكرتُ في نصي عن “لا تاريخية القرآن” أن القرآن لم يأت مجرد إضافة شكلية تناظر الوجود (بالصيغة الدارجة: التناظر بين القرآن المسطور والكون المنظور) وإنما جاء كإضافة نوعية إليه، تتجسد في حمله لدلالات تضمُّن الوجود لحقائق تتجاوز العالم الطبيعي، وأن هذه الدلالات مُعبر عنها لغويا؛ والعجيب أن ذلك يوافق تماما ما توصلت إليه العلوم الفلسفية المعاصرة من تأكيد على حقيقة ما تسميه بـ”الماهيات الجوهرية” الكامنة في الوجود والتي لا تخضع للظروف، بل وتنادي بالعودة إلى استكناه مرحلة التشييد الأولى التي تتمثل في “الفعل المؤسس”، وبادي الرأي أن الفعل المؤسس الذي هو الوحي في الحضارة الإسلامية، يقع بين حدّين:

الأول هو التلقي المباشر (محمد صلى الله عليه وسلم عن جبريل عليه السلام) بما هو تفاعل بين ذات ملائكية وذات إنسانية وما يكتنفها من حالات شعورية عند النبي بغاية الإنفاذ المباشر للكلام الإلهي إلى البشر وعلاج نوازل ومشكلات بشكل آني.

والثاني هو ترتيب القرآن توقيفيا بعد تمام النزول، وذلك من خلال إعطائه الشكل النهائي ليضحى بمثابة العالم الرمزي الشاهد على الفعل النبوي التوجيهي، حيث سبق الكلام عن حقيقة ختم القرآن للوحي في الجواب المتقدم، فيستحيل القرآن إلى نبوة رمزية متجددة في الزمان والمكان، فتجعل من الرمز الحقيقة الجامعة المانعة لما جاء الإسلام من أجله وهو حالة لاوثنية (شهود الحق) مستمرة في الوجود، والمعلوم أن الرمز الروحي ضديد الوثن المادي (جحود الحق).

هذا ما يحضّر مستقبلا لقيام الشريعة في ذات المقام مع الطبيعة من حيث حاجة الإنسان إلى استخراج كوامنها الغائبة عن الوعي إلى أن تصير جلية أمامه بغاية تسخيرها لخدمة الحقيقة الدينية الخاتمة التي جاءت أساسا تكريما للإنسان واستخلافا له.

المسألة الثالثة: ما وجه المفارقة بين مداخل المستشرقين في دراسة القرآن وعلومه ومداخل التجديد الإسلامي؟ وما وجه التشابه أو التوافق إن وجد؟ وما هو الاعتبار أو التصور الكامن خلف تلك المداخل سواء بالنسبة للمجددين أم للمستشرقين؟

الجواب: آن الأوان للتحرر من التصورات التجزيئية للمعرفة، تلك التي تقوم منذ بدايتها على مفهوم الأنا والآخر، وكأن العلم “أرخبيل من الجزر” لا رابط بينه، ذلك أن الفاصل بين العلم الحق والعلم الزائف يمكن أساسا في القدرة على تحصيل معايير التنظير والاجتهاد من عدمها، لذلك فالحديث عن العلم هنا بما هو آلية جوهرية وأصيلة تنوجد في الجماعات الإنسانية باعتبارها بحثا مطلقا عن الحقيقة عن طريق خاصية العقل بغض النظر عن التحيزات الثقافة والدينية الحاصلة بالضرورة في الممارسة العلمية أيا كانت، لكن مبدأ العلم واحد كما بيّنتُه في محاضرة “تشكيل الظاهرة العلمية”.

فالبحث عن الحقيقة في كل مجال له أصول وجب التحلي بها والفارق جلي بين البحث عن الحقيقة والبحث لأجل غاية نفعية ضيقة، هكذا يجب تحرير تصورنا عن الممارسة العلمية الحقة، وبه فإن الكلام عن استشراق يقابل التجديد يرتبط باحتكام إلى معطى غير معتبر إطلاقا في الممارسة المعرفية، باختصار فإن السؤال الحقيقي يجب أن يكون حول معايير الخطاب العلمي والخطاب غير العلمي، ومن ثم فإن السؤال ينطلق من هاجس سيزول بالتدريج عندما يمتلك الباحث ناصية البحث العلمي الرصين بما يجعله قادرا عن تمييز العلمي من غير العلمي في كل خطاب، مدونا كان أو محكيا.

أيا كان لعل بعض الجواب المباشر قد حصل في جواب السؤالين المتقدّمين، وأظن أن الفارق الأساسي في الموضوع كامن بين اتجاهين:

  • اعتبار القرآن أنه نتاج عقل محمد يحتاج للتفكيك والتحرر من هيمنته التاريخية والثقافية، وهو ما قد يكون ارتبط أكثر بدارسي الإسلام من الغربيين وأتباعهم من المسلمين.
  • اعتباره نصا إلهيا يحتاج للاكتشاف وتجديد معانيه في النفوس لتحقيق مقاصده التي جاء من أجلها والتي غايتها الأساسية تكريم الإنسان وتحقيق مفهوم الاستخلاف بأوسع المعاني.

مع التأكيد على ضرورة عدم الارتباط بالأوصاف مستشرق أو مجدد لأن الإتيان بالكلام العلمي والحقيقة ليس مرتبطا بالأوصاف المسبقة، لأنها تصنيفات قد تحدنا من بلوغ الحقيقة المنشودة، أعني أنه يمكن للمسمى مستشرقا أن يأتي بالحقيقة ويتجاوز الجحود، كما يمكن للمدَّعى مجدِّدا أن يحيد عن شهود الحقيقة، ذلك أنه لكل مأخوذ ومتروك، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها، والله أعلم

داخل أسئلة الفكر وأجوبتها
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029159
اليوم : 42
الأمس : 120
هذا الشهر : 1530
هذا العام : 19449
مشاهدات اليوم : 401
مجموع المشاهدات : 110073
المتواجدون الآن : 3