أسئلة الفكر وأجوبتها (9)

جاءت أسئلة هذه الحلقة خاصة بالدين والتدين من حيث طبيعة الإنسان الوارد في النص القرآني، وكذا عن طبيعة النص ذاته لماذا هو غير برهاني وتعليلي وهل يعكس ذلك كل طبيعة التفكير الديني والتدين، وأخيرا إذا كان التعليل يلازم الدين لا محالة هل هو تعليل قبلي أو بعدي.

سؤال: مررت اليوم بآية من القرآن، ثم تذكرت حديثك عن التصنيف (يقصد التمييز) الاعتباطي للإنسان عن الحيوان، الذي يفضي بنا إلى تصنيفات أخرى لا تحمد عقباها، (يقصد إشارتي إلى أن اعتباطية تمييز الإنسان لنفسه عن بقية الكائنات أدت أن تفضيل أقوام وأجناس وأعراق نفسها عن الأخرى اعتباطيا أيضا بما إلى كوارث الحروب الأهلية والعالمية)، لكني وجدت الآية تفرض تصنيفا اعتباطيا أيضا، مما يحق طرح الافتراض بأن التصورات الدينية أيضا تلعب دورا هاما في التصنيفات الحاصلة الآن، الآية: {ولقد كرمنا بني آدم و حملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} الآية تحكم بتفضيل مطلق الإنسان على سائر الكائنات من بينها الحيوانات، ما رأيك؟

جواب: يبدو لي والله أعلم أن الأمر مرمز في الآية ولم يقدم تفصيلا علميا ولا فلسفيا، فلنبدأ بأن لب الموضوع يكمن في (فضلناهم تفضيلا) فكما يمكن أن يكون اعتباطي لا ينفي سياق الآية أن يكون التفضيل معلل سببيا. فالفضل قد يحصل بالاعتباط أوبأسباب معلومة، وهنا حسب ذهنياتنا إذا كانت اعتباطية رأينا أن الفضل يحصل اعتباطا والعكس بالعكس، لذلك كان النظر في منهج القرآن مهم، أعني هل القرآن يسند الاعتباط في الاختيارات الدنيوية على غرار “تفضيل الإنسان” وغيره من الموضوعات، وأنا أفترض عدم اعتباطية القرآن في الموضوع حتى ولو بدا السياق اعتباطيا وذلك لعلّتين: الأولى هو أنه نزل على قوم لا قِبَل لهم بالعلم والأسباب ولا كان البشر كلهم قادرين على تصور الأسباب إلى الدرجة التي ترتبط فيها بالغيب، وثانيا أن طبيعة الخطاب الديني غير تعليلية ويجب أن تبقى غير تعليلية حتى يبقى خطابا دينيا، ولا تعليلية الدين لا تعني لا عدم وجود العلل ولا أنه ضد التعليل.

سؤال: أتساءل بما أن طبيعة الخطاب الديني غير تعليلية، هل يعني أن نمتنع عن مساءلته ومطالبته بالعلة؟

جواب: في هذا الموضوع قام دارسون ببحث حقيقة التدين عند البشر مسلّمين بأمرين هما: 1- أن الدين أمر غير تعليلي بل هو تسليمي إيماني محض، 2- أن الدين حقيقة حاضرة خلال التاريخ البشري في كل المجتمعات و دون استثناء، فأنت ترى أنهم لم يحاولوا التشكيك في حقيقة وجود الدين ولا أنهم سعوا إلى تفكيك حقيقته التسليمية، فأثبتوا أن الدين قبل أن يكون إملاءات خارجية تفرض على الإنسان إنما هو وراثة مركوزة فيه، وحسبهم أن أطفال البشر يولدون وهم مؤمنون بوجود إله ومن ثم فهم يمضون فترة طفولتهم باحثين عن هذه الحقيقة التي تسكن جنباتهم بشكل غامض حتى تجد إجابة لها عند نضجهم (أيا كانت الإجابة)، أي أن التدين الفطري لابد أن يصل في مرحلة ما يندمج فيها مع التدين الاجتماعي الذي يترسخ في الواقع عبر الانتقال التاريخي من جيل إلى جيل، ومن ثم فإن للتدين تعريفين موضوعيين هما: أنه “تصميم لهدف خاص” كفكرة كلية شاملة تسعى نحو غاية ثم أنه أيضا “وظيفة” يقوم بها في الحياة بالنسبة للإنسان.

وفي الأخير وإجابة على سؤالك نجد أن أي محاولة لجعل الدين أمرا تعليليا هو إنكار لحقيقة أن الإيمان الديني غير تعليلي وأنه حقيقة متأصلة في الإنسان بالوراثة والتاريخ. وبعبارة أخرى أن نزعة البحث عن القداسة في الدين هي الأصل وأن نزعة البحث عن نزع القداسة عن الدين هو تطفل ودليل نزعة ترفية بادي الرأي، لأن البحث عن العلل والأسباب مفتوح تماما ولا يغلق إلا عند حدود الدين، لأن مجرد الكلام عن الدين يعني القداسة والقداسة تنخرم بالتعليل، لكني أفهم محاولات تفكيك الدين ومطالبته بالعلية نابع من سوء الانتقال من التدين الفطري إلى التدين الاجتماعي، أي عندما يتحول من أن يكون التحام ضروري إلى ارتطام يؤدي بالحتم إلى خسائر، وهو من ثم يستحيل إلى إشكال نفسي يقتضي علاجا قد يطول أو يقصر أمده، لكن السؤال مشروع عن المسؤول عن الارتطام؟ هل هو الفرد أم الجماعة؟

أنت ترى هنا أن السؤال استحال إلى مبحث للعلوم الاجتماعية أكثر منه سؤال في الدين والتدين، لكنه عموما خاضع لعوامل ضبطية تفصيلية يجب أن تعمل كالإيقاع الذي إذ شذ منه جزء اختل كلية، ورأيي التحكم في الإيقاع يعود للفرد في النهاية لأنه ليس مطالبا بعدم الخطأ لكنه مطالب بالأوبة في حال الخطأ، والله أعلم وأحكم

سؤال: هل التسليم يسبق التعليل في الدين أم هو نتيجة له؟ أم لا أسبقية بل لابد من التلازم والتساير؟

جواب: إن الأمر جدلي بالفعل، أعني أنه تبادلي بين التسليم اليقيني والشك التعليلي، ولأسمح لنفسي هنا ببيان أمر صار متفق عليه بين الباحثين اليوم وهما: 1- أن التدين غدى أمرا وراثيا عند البشر بمعنى أن البحث عن الماورائي صار شيئا مركوزا في التكوين الطبيعي للبشر، بمعنى آخر مجبول على السعي للتسليم والاعتقاد بقينيات محددة، وبالتالي تصبح اليقين أمرا جوهريا في الإنسان وليس أمرا عرضيا مرتبطا بخياره هو، فكما لا يختار الإنسان شكل جسده أو لونه أو جنسه فكذلك لا يختار أن يكون متدينا، ويثبت ذلك اطراد حالة الدين والتدين في المجتمعات البشرية على مر التاريخ. 2- أن الغموض الذي تتضمنه الحقائق الطبيعية أمام الإنسان واستحالة عدم تكشّفها نهائيا أمامه يؤصل لقضية الدّين وذلك من جانبين، الأول هو استحالة استنفاذ اكتشاف الطبيعة من قبل الإنسان، بمعنى أن ما يكون الإنسان قادرا على كشفه متعذّر على الانتهاء استنادا إلى لا نهائية الطبيعة، والثاني هو ما سيبقى غامضا أبديا عن الإنسان بخصوص حياة ما بعد الموت وحياة ما بعد نهاية الكون.

ذلك ما سيجعل سؤال الدين والتدين ليس مرتبطا باليقين والاعتقاد بحقائق تاريخية وظرفية زائلة مهما كانت، بقدر ما سيبرتبط بثوابت بيولوجية (الدين كجينة وراثية) وفيزيائية (غوامض الطبيعة ومابعد الطبيعة)، حتى نتساءل هل يحكم ما بعد الطبيعة (الموت والبرزخ والبعث والنشور والحساب) قوانين فيزيائية، وإذا لم تكن كذلك فما هو القانون الذي سيحكمها، وهل يحكمها قانون أصلا، وأقرب مثال على ذلك أحلام النوم التي تنبئ أحيانا عن المستقبل بشكل رمزي وكذا النوم ذاته كحالة موات لا إرادي لوعي الإنسان بالعالم.

وبه فتصوري أن الإسلام يبقى أمرا ممكنا حتى بعد انخرام كل التاريخيات وذلك لكونه دين الفطرة أو دين الطبيعة، وخلوده سيبقى في قدرته الفائقة على التجدد خلال الوعي البشري بحمولته اللانهائية لمعانى الطبيعة، وأن تفصيلاته تلك يبقى مستعصية كإرث نصي إلى ما لا نهاية وكذا كقيمة إلى ما لا نهاية كذلك باعتبار أوحد وهو أن الماضي أحيانا يكون أكثر تقدمية من الحاصر والمستقبل!

داخل أسئلة الفكر وأجوبتها
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029159
اليوم : 42
الأمس : 120
هذا الشهر : 1530
هذا العام : 19449
مشاهدات اليوم : 427
مجموع المشاهدات : 110099
المتواجدون الآن : 2