أسئلة الفكر وأجوبتها (8)

تعقيبا على ماورد في الحلقة الخامسة من تأملات بنبوية، جاء سؤال حول ترتيب مسألتي الخلق والتكيّف، فكانت محاولة تحديد الموضوع كما أوردت إشارات إلى موضوعات العلامة والوعي والتطور، والعلاقة بينها.

المسألة: في موضوع علاقة الثقافي بالطبيعي {أعطى كل شيئٍ خلقه ثم هدى} أعتقِـد أنّ المقصود من فـِعل هدى ليس الـتكيف مع الطبيعة، فلو كان كذلك بالفِـعل فإنّ التكيف يأتـِي بعد الخلق ، لكن هذا غير صحيح التكيف أولا ثم الخلق ثانِيًـا ، بمعنـى أن الكائن يتكيّف أولا في الطبيعة ثم يبدأ خلقه ، فلو لم يتكيّف لما خُلِقَ أصلاً ، أي أن كل مخلوق يُخلق هو بالضرورة قد قبِلته الطبيعة بين أحضانِها وَ مُـتكيِّـف مـَعهـَا من قبـلُ.

جواب: ملاحظة معقولة جدا وفي محلها وهي متعمقة، وهذا يحيلنا إلى القول بأن الخلق والتكيف أمر واحد، ومن ثم يبقى للهداية معنى آخر، القول بأن الخلق والتكيف أمر واحد، يعني انتفاء الإنشاء الفجائي للكائنات، أي لا توجد كائنات تنشأ فجأة، وهذا يسبب إشكال مضاعف: أوله مصادمة المعتقد الديني القائم على مفهوم {كن فيكون} ، بحيث يصبح لتصوره دلالة أخرى، وبه نكون على حدود سؤال البدايات، بل الشك أصلا في أن يكون الأمر متعلقا ببدايات تنطلق من العدم، من الصفر من اللاشيء، وهذا الإشكال الثاني، حيث البديل عن ذلك هو الاستحالة، أعني أن الأمر متعلق بالتحولات، فكل بداية جديدة إنما تكون {نشأة أخرى} و {ثم أنشأناه خلقا آخر}، أعني أن يكون الأمر متعلقا إلا بتغير جوهري في الكائن.

وذلك يحيل إلى الرابط بين البيولوجي والثقافي الذي ينشئه التحول الجوهري، ذلك أن مجرد إلى الجوهر يعني الحديث عن تجدّدٍ هو في الأصل ارتقاء، أو سمو في الماهية، والماهية هي الأخرى تحيل إلى الوعي، ومن ثم فإن التسليم بأن الوعي ناشئ عن الارتقاء إنما يخرق جدار الوهم الفاصل بين الكائن الإنساني وباقي الكائنات الأخرى، ومن ذلك معنى {وإن من شيء إلا يسبّح بحمد} و {إن هم إلا أمم أمثالكم} إشارةً إلى الوعي أو إلى إمكان الوعي في الكائن غير البشري، بما يحيل إلى حقيقة أخرى هي البعد السميائي بين الكائنات رغم كونه حقيقة مثبتة في التاريخ الديني {علّناه منطق الطير} و {ياجبال أوبي معه} و كذا {فأبين أن يحملنها}، ثم ماذا يفيد التسليم بكل ما تقدّم؟

هنا يحضر متغيّر رئيسي فاعل في الموضوع، وهو الزمن، الزمن الذي يغيّب عن الوعي حقيقة التطوّرات الجوهرية التي تحصل على مستوى الآماد البعيدة، والتي يستحيل اكتشافها حتى على مستوى الاختبار التجريبي الدقيق، فالمعلوم أن التطور كنظرية في حد ذاتها ليست إلا استنتاجا تأمليا تحقق بفصل اشتغال صاحبها على تصنيف الأنواع النباتية والحيوانية، وهنا دلالة ذات أهمية كبرى تندرج ضمن البعد السيميائي، أعني استكشاف موضوع التطور في حد ذاته لم ينطلق من طبعانية صرفة (أي بحث اختباري حسي) وإنما متعلّق بالوعي.

ولا بأس من افتراض أن تكون لحظة اكتشاف التطور الصادمة لحظة “نبوية” تعرّف فيها الإنسان إلى كينونته، وهي تشبه لحظة اكتشاف الإنسان للإبّوخي الظاهراتي لحظة “التوقف عن الأحكام”، الأحكام التي تنبع من الكينونة الغريزية للإنسان، فكلاهما خروج من الغرائزية الثاوية في الإنسان إلى الوعي السيميائي، ذلك أن سلوك الكائن تتجاذبه حقيقتا الغرائزية والوعي حتى أنهما يتداخلان تداخلا يعسر تمييزه، وذلك الطموح، أعني أن تصبح الغاية من الدراسة والبحث الإنساني تفكيك السلوك ليس إلى ثنائية جوفاء بل إلى محاولة استكشاف طبيعة التفاعل المعقّد بينهما، حيث يمكن أن يوظف الوعي لخدمة مساعي غرائزية كما يمكن أن توظف الغرائز لخدمة مساعي واعية.

بعد ذلك، وبالجمع بين الحقيتين البعيدتين المتقدّمتين، حقيقة التطور وحقيقة السيمياء الحيوانية (أو غير الإنسانية) عموما، حيث الأولى أدركناها بفضل البحث التجريبي في الطبيعة، والثانية أدركناها كحقيقة دينية، نكون قد وحّدنا الكينونة كلها، أعني كينونة الخلق كله، وجعلنا من الوعي المميز للإنسان وعيا ناشئا عن تطوره، وأن مجرد الوعي بذلك والتسليم به يعطيه إدراكا لما يمكن أن تكون تكيفات ظرفية ناشئة عن الظروف البيئية المحيطة، تلك التي تشكل حياته ضمن التاريخ والجغرافيا، التكيفات التي شكلت وتشكل الفوارق بين الجماعات الإنسانية الراهنة.

فأي عقل نابه يمكنه أن يستشكل حضور مجتمعات الصيادين (البدائية) في نفس زمن مجتمعات رجال الفضاء (الحديثة)، ويسأل عن مسببات التباعد بين تلك المجتمعات التي تزامنت في مرحلتنا التاريخية الراهنة، وعلى ذلك يصبح ممكنا مراجعة مقولات الحضارة والنهوض على ضوء التأثيرات التي تحدثها الظروف البيئية في تحديد القيم والمعايير الاجتماعية، ومن ثم فإن أساس المراجعة سيقوم على المقولات الجديدة للطبيعة بعد تمرّس الحياد الظاهراتي، والسؤال بعد ذلك عن مصير التأويلات الثقافوية والسيميائية المجردة للحضارة والمجتمع؟

يطرح القرآن مفهوم طول العهد وطول الأمد كعامل رئيس في تكريس جمود العقائد والتصورات وبالتالي الانحراف عن جادة العقل، وأن الطبيعي هو التحول والتطور العقلي وفقا لتغير الزمن ومسار التاريخ، إلا أن العامل المعيق يبقى التحجر الذي تخلقه ظروف البيئة المحيطة بوصفها العامل المحدد، وحتى التطورات الحاصلة على مستوى إذابة الحدود الثقافية (تقنيات الاتصال) والجغرافية (تقنيات المواصلات) لم تستطع إذابة الفوارق التاريخية والحضارية، وذلك لحضور عامل التكيّف ذاته كمعيق للذوبان والتوحيد التام لمسار التاريخ الإنساني، لذلك يبقى “الوعي الطبعاني” – ونطرحه هنا كمقابل للوعي الاجتماعي- هو العامل الذي يحمل إمكان حلحلة الأزمة المعرفية الراهنة، ففي النهاية يبقى وعيا يوظف محاصيل العلوم الطبيعية توظيفا سيميائيا صرفا، ومن ثم فالتأويل الثقافوي والسيميائي ومع تسلحه بالخيال الأكسيومي يبقى دائما بحاجة إلى مخرجات علوم الطبيعة.

وبه فإن العهدة هنا على “الوعي الطبعاني” الذي يحتاج لاستنفار طائفة تنفر في هذا المجال للتفكير في صياغات التصرف في “الوعي الاجتماعي” وتوجيهه بمعية النخبة التنفيذية، وهنا الحل الأكثر نضجا لمعضلة الجماهير غير العاقلة؛ ولئن كان الأمر عودة إلى المثالية الأفلاطونية فهو في النهاية عودة لا تُفاصِل بين النخبة بشقيها والجمهور، بل تجعل من الجمهور غايتها الرئيسة، وهنا حلحلة أيضا لكل الأزمات الاجتماعية- السياسية… وللحديث بقية باقية.

داخل أسئلة الفكر وأجوبتها
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029160
اليوم : 43
الأمس : 120
هذا الشهر : 1531
هذا العام : 19450
مشاهدات اليوم : 460
مجموع المشاهدات : 110132
المتواجدون الآن : 2