أسئلة الفكر وأجوبتها (7)

أربع مسائل عالجناها في هذه الحلقة، الأولى تعلقت بأبعاد الأزمة المعرفية حدودها ومستوياتها وحقيقتها، وكذا عن البدائل الممكنة وكيفياتها، الثانية حول ثنائيات المعرفة والقيم والتصورات الممكنة لها بعيدا عن تحيزات التاريخ والجغرافيا، والثالثة عن أثر التنظير للمجتمع حقيقته أثره وواقعه، واليأس الحاصل منه وإمكان استعادته.

المسألة الأولى: سؤال عن الأزمة المعرفية، من شروطها أن تكون ناتجة من داخل المجتمع وصادرة من منظومته، ونحن في مجتمعاتنا المحلية والشاملة لازلنا نعيش الهزات الإرتدادية للثورة الصناعية، وقد وصلت إلينا موجة تسونامي الحداثة بسبب العولمة فضاعت الأسئلة الجوهرية لأزمتنا المعرفية المتولدة عن منظومتنا المعرفية؛ السؤال كيف يمكن للمفكر الحفر عن الأسئلة الحقيقية للأزمة وعن الأسئلة الوهمية المستوردة لكي يعالج الإشكالات بصورة صحيحة ويحاول إيجاد النموذج الجديد الذي يكون بديلا حقيقيا.

الجواب: يحتاج السؤال أولا إلى تفكيك عناصره: أ/ الأزمة المعرفية، ب/ الثورة الصناعية، ج/ الأسئلة الجوهرية، د/ النموذج البديل، أستسمح أولا في الحديث عن بناء السؤال في ذاته، فهو يقوم على مسلمات أجد أنها تحتاج إلى إعادة تركيب، فسياق السؤال يحيل إلى ضرب من الفصل غير منطقي بين المعرفي والوجودي، أعني أن ما سمّي في السؤال بالهزات الارتدادية إنما حاصل كوحدة (معرفية-وجودية) تخترق مجتمعاتنا، فالاختراق حاصل معرفيا وواقعيا معا بالحتم والضرورة والتاريخ ومنطق الأشياء، لذلك فمنطق الخطاب يجب أن يستحيل إلى وحدة مضاعفة، وحدة الوجودي بالمعرفي، ووحدة المصير الإنساني الذي ما فتئ يشتد ارتباطه عبر الزمن، وبالتالي فإن مصيره واحد لا محالة، فنحن في سفينة واحدة إذن.

لذلك كانت الأسئلة الجوهرية أسئلة تصدر عن مشكاة واحدة إنسانيا، وبه فليست الحاجة إلى استصدار أسئلة خاصة بقدر ما الحاجة ملحّة إلى الالتحام بالسؤالات الجارية كونيا، وذلك دون الشك في وجود أو إمكان وجود أسئلة جوهرية غير وهمية ولا مزيفة يقوم المفكرون هناك وهناك ببحثها والغوص فيها، طبعا مع وجود توجهات موازية كونيا تحمل الأسئلة ذات الطابع الوهمي والمزيّف.

وبه فإن المهمة هي البحث عن الأسئلة الحقيقة الجوهرية وفرزها عن نظيرتها الوهمية والمزيفة، إذ غالبا ما تكون الثانية تعبيرات عن تحريف وتحوير ناتجة عن صراع فكري أو هي تشكّل أداة له، بينما الأولى لابد وأن تحمل صفات أهمها الأصالة المتحررة من التحيز الإثني والحضاري أولا ومن ثم أن تكون امتدادا للفكر الإنساني العام، وليست اجتزاء يمكن أن يصدر عن أية جهة أو شخص يدعي لنفسه ما ليس أهلا له، وأحيل هنا إلى أي ادعاء يدعي لنفسه ليس تحصيل وحيازة الأسئلة الجوهرية فحسب بل أيضا مجرد ادعاء البحث الانفرادي عنها، فالمعلوم أن الإنسانية السيدة التي أحلت إليها في السؤال بوصف الثورة الصناعية ما تزال سيدة إلى الآن ومنطقيا فإن استمرارية السؤال ما تزال بين يديها، علينا أن نعترف بذلك بكل تواضع، وبعيدا عن أي نرجسيات تتكلم عن الذات وإمكاناتها، فلسنا هنا في معرض الاستعراض، بقدر ما نسعى للغوص عن مؤشرات السؤال الجوهري ومكامنه، ولأن الأمر مستعجل أيضا…

رأيي أن انفصالا يتحدث عنه البعض حاصل بين الإنسانيات والطبيعيات لابد من رأبه، من أجل التخلص من أوهام القطيعة بين الثقافي والطبيعي كونيا، لكن يبدو أن بلوغنا مستوى المعضلة الكونية يقتضي التخلص من معضلة محلية عندنا مفادها رأب الهوة أولا بين الشرعيات والإنسانيات، ومن ثم المرور إلى حل الإعضال العميق الحاصل كونيا. وقد تضطرنا الاستعجالات إلى تجاوز الرأب الأول للمرور للمشاركة الإنسانية، وهذا غير محبّذ لأنه قد ينشئ قطائع مؤسسية، لكن مهما يكن فإن المرور أولى من انتظار ما قد لا يكفي له القرون!!

أخيرا، تكون البدائل المتصورة قائمة على منزع تشاركي عام مهمته الحفاظ على توازن العمران البيئي والقيمي وتلك المهمة المنتظرة من كل متنور، وهذا يعني أداء الجهد المعرفي اللازم متحررين من كل استلاب ذاتي مقيّد عن الانطلاق بمكبلات الماضي أو أجنبي يغرس استصغار الذات والكلالة.

المسألة الثانية: هل “الموضوعية” في البحث – كمصطلح أكاديمي علمي – يوازي أو يعادل فعالية “الصدق” و “الصدقية”  كخُلُق و مصطلح في الوقت نفسه شرعي إسلامي سارٍ في حياة المؤمن كلها، و له تبعاته التي أحسب أنها الأخطر و الأكثر جدية إن فقهها الباحث. هذا السؤال يثيره واقع الأكاديمي المسلم بالعموم الذي يرى أن التزامه بالحقيقة و حتى بالـ”الصدق” ليس سوى للالتزام بالموضوعية كمنهج علمي ذو خلفية علمانية ربما، لا (كواجب شرعي إسلامي) مفروض و مأجور عليه (كأكاديمي مسلم) و سؤال أستاذ عن التمييز بين نوعين من المصطلحين – الموضوعية و الصدقية – أيها أكثر فعالية و نفعية، ثم سؤال السبب الذي يتعلق به، هو : ما هو السر – أستاذ – وراء هكذا اغتراب إن صح التعبير للأكاديمي المسلم، وغربة المناهج الإسلامية؟

الجواب: في السؤال مسلمتان لابد من مراجعتهما، 1-  فمن المثير فعلا أن نشطر شيئا موحدا: الحقيقة (إسلامية كانت أم علمانية)، 2- والأكثر إثارة أن نربط بين آخرَين متفاصلين: الصدق بالمفهوم العملي الديني والموضوعية بالمفهوم النظري العلمي، فلأبدأ بالأخيرة وهو التمييز بين الصدق والموضوعية، الصدق حالة عملية صرفة تتوقف على السلوكات والمعاملات الإنسانية العامة وهي هنا كقيمة خلقية هدفها التعامل وفق أرضية مشتركة بين البشر، أما الموضوعية فهو الحياد الذهني والتوقف عن إصدار الأحكام على المسائل النظرية قبل استكمال تقليب الموضوع على جميع أوجهه فهو إجراء منهجي صرف.

لذلك فإنه وبالنسبة للأولى يكون من الأسهل التمييز بين الواجب الشرعي والإجراء المنهجي، والدين عامة هو للهداية والإرشاد العام للبشر، أما الإجراء المنهجي فهو كما تقدّم إجراء منهجي ذهني نظري فهو مسألة تخصصية جزئية ودقيقة جدّا، وبه فلا بد هنا من إزالة اللبس في المقابلة بين الإسلامي والعلماني، أولا هما معا إرث تاريخي حُمّنا إياه، بما ما لا طاقة لنا به، إلا أننا حملناه!

لا مقابلة بين الإسلام والعلمانية، إنما الصحيح اندماج تام بين الدين الفطري والوجود الطبيعي، ذلك الذي لا يحيلنا إليه لا التراث الديني ولا العلمانية، إلا بالإشارة الهادية في النص المحفوظ أو بالوخزة الغُفلة الآتية من التراث، لا ننتظر من التراث أن يعطينا منهجا بقدر ما نوظفه كمتكأ به نهُشّ، تراثنا الأهلي أو نظيره الأجنبي، فتلك مقابلة خاطئة وخطيرة، كان بمثابة قشرة الموز التي رماها إنسان لا يعقل في بداية طريق منحدر ليس له قاع، وبالمختصر فإن الانشغال بتلك التقابلات (من قبيل الصدق والموضوعية والعلمانية والإسلام) سيضيع علينا الكثير من الجهد والوقت في طريق العمل الشهودي الفاعل، فأنا كمسلم لا يعنيني إلا شهود الحقيقة كما هي وكيفما كانت، ذلك الذي قد لا تنبس به أسفار التراث.

الإغتراب الحقيقي هو غيابنا عن المشاركة الفاعلة في المشهد العلمي الإنساني وانكفاؤنا في وهم الأنا المحصّن المحمي البكرة، واعذرني على خروجي عن النص لكن الوخز أحيانا يوقظ، فالمستعجل أنه علينا الالتحام بحقيقتين: حقيقة التلاحم التام بين التاريخ الطبيعي والدين الفطري، وفي ذلك علينا أن ندوّن ونجتهد ما استطعنا إلى ذلك فهما وإدراكا، وحقيقة أن لكل زمان سيد بشري على الطبيعية وأن السيد الحالي معروف لا غبار عليه، وأن نلاحق ذلك ما اقتدرنا بحثا وتنقيبا…

المسألة الثالثة:  النظرية في ميادين العلوم ليست واحدة بعبارة أخرى ليست ممارستها واحدة أو شروطها وقوانينها ليست واحدة، فالنظرية في العلوم الدقيقة ليست نفسها في العلوم الحية وليست نفسها أيضا في العلوم الاجتماعية، وخاصة علم الاجتماع، حيث لاحظت أن النظرية في العلوم الدقيقة تواكب الواقع ثم تأتي بعدها النظرية في العلوم الحية فإنها تحتاج لبعض الوقت حتى تمارس في الواقع أما العلوم الاجتماعية وخاصة علم الاجتماع فممارستها تبقى مجهولة…. فلماذا هذا الاختلاف؟ إذا كان هذا التصنيف صحيحا؟ وهل نستطيع القول بأن النظرية في علم الاجتماع لا ترقى إلى مستوى النظرية وإنما ستبقى في مستوى المقاربات إذا بقيت في أكناف السطور؟

جواب: للنظريات الاجتماعية أثر  رمزي وفعلي على الواقع كضوء الشمس، ماركس بنظريته أكثر من أثر وشغل الدنيا بفكره حتى حرّكت رؤوس عروش لم تحتمل أفكاره، أليس النمط الرأسمالي المهيمن على حياة البشر اليوم في المعمورة هو نتاج نظر وتخطيط علمي متكامل، بل حتى الأفكار الفلسفية كان لها عظيم الأثر في استنهاض وعي الناس وشعورهم نحو التغيير، حتى الماركسية المخذولة ظاهرا مارست دورا نقديا صارما وفعليا للرأسمالية التي استفادت أيما استفادة من رؤاه، حتى غدت الماركسية حاملة أداة فنائها في ذاتها لما أسدته من خدمة نقدية للرأسمالية، بالعكس تماما من ادعائها.

فعلا الآن يعيش التنظير أزمة في تحقيق أثر فعلي، لكن ذلك هو نتيجة هيمنة نظرية أخرى عليها، لذلك فأثر النظرية-  كما تقدم وأشرت في محاضرة فقه العصر – صار السمة الدامغة للعصر الحديث الذي لا يقوم مجال فيه إلا وسبقته إليه نظرية، فالجهد منصب اليوم على تمحيص كل الممكنات في سبيل الانعتاق الإنساني من ربقة النسق الحاصل راهنا من نظرية أحاطت بالإنسان وتكاد تحيله إلى الفناء.

يبقى في كل التخصصات التي جئت على ذكرها، لا يجب أن نتصور تحقق النظرية وتوظيفها تصورها تبسيطيا ساذجا، إنما الفواصل الزمنية ضرورية بين النظرية وامتدادتها وآثارها، فنظرية اليوم هي لا محالة حقيقة المستقبل، إذ لابد من فاصل زمني دائما، ولعلي غير مبالغ إذا تكلمت عن أن النظرية الاجتماعي أشد وأشمل أثرا من نظيرتها في المجالات الأخرى، لأن النظرية الاجتماعية بمثابة تشريع قيم ومعايير للحياة الإنسانية في أدق تفاصيلها.

داخل أسئلة الفكر وأجوبتها
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029157
اليوم : 40
الأمس : 120
هذا الشهر : 1528
هذا العام : 19447
مشاهدات اليوم : 388
مجموع المشاهدات : 110060
المتواجدون الآن : 2