إدموند هوسرل وتأسيس الفلسفة الظاهراتية

بكير عبدالعزيز، محفوظ بوعروة

إدموند هوسرل فيلسوف وعالم رياضيات ، ومؤسس لأهم مدرسة فلسفية في القرن العشرين ، ألا وهي مدرسة الفينومنولوجيا (الظاهراتية). وهوسرل إنشق عن النزعة الوضعية في الفلسفة والعلم في عصره ، ومن ثم قام بنقد النزعتين التاريخية والنفسية في المنطق (منا : مع الإنتباه إلى إن هوسرل في بواكير بحثه كان مناصراً للنزعة النفسية في المنطق ولهذا وجه إليه جوتلوب فريجة نقداً في حينها) . كما إنه وسع من حدود التجريبية ولذلك إعتقد إن التجربة هي مصدر كل المعرفة.

2 حياته الفكريه: تقسم حياته الفكرية إلى مرحلتين:
تأثر في المرحلة الأولى بالاتجاه النفساني في الفلسفة، والذي كان ينظر إلى مضامين المعرفة وحقائق الواقع على أنها مجرد تمثلات ذاتية لا وجود لها إلا بعدِّها ظواهر «سيكولوجية»، ففي كتابه «فلسفة علم الحساب» ناقش الأعداد الحسابية وما إذا كانت مجرد نتاج لعمليات الربط «السيكولوجي» أم انعكاس لحقيقة موضوعية ما، ورجح الاحتمال «السيكولوجي»، فحاول أن يفسر مفهوم العدد بتحليل فعل العدّ أو نشاط، ولكنه عدل عنه

المرحلة الثانية : ذهب إلى أن العلاقات المنطقية لا تخضع بحال من الأحوال للتأثيرات السيكولوجية، وليست موضوعاً لأي اتفاق أو مواصفة كما يقول أصحاب المنطق الوصفي مثلاً، ولا تنتمي من جهة ثانية إلى عالم الأشياء، بل هي علاقات من نوع خاص تتبع عالماً خاصاً هو عالم «الماهيات» المعقولة المستقل عن العقل الفردي وعن كل العقول، وهذه الماهيات أو الحقائق الثابتة هي ما تجعل الأفراد يتفقون حولها، فيصدرون أحكامهم التي تصلح لكل زمان ومكان (مثلاً 2+2=4)، وهذا يكسبها موضوعية لم تكن لها في الاتجاهات النفسانية، فهي ليست من صنع الشعور أو إملائه، بل يتجه إليها أو يقصدها، وكان هذا فاتحة نظريته في «المعنى القصدي» الذي طبقها هوسرل ليس فقط في ميدان الأحكام المنطقية، بل في ميدان الإدراك والعواطف والانفعالات والقيم، وكانت أساساً لفلسفته الظاهراتية Phenomenalism.

3 _مبدأ هوسرل : يرى هوسرل في الفلسفة «منهجاً جديداً للبحث عن الحقيقة»، فيضع مبدأين رئيسين:

المبدأ الأول: هو التحرر من كل رأي سابق أو حكم مالم يكن مبرهناً برهاناً ضرورياً أو مستمداً بالبداهة، وهي حالة تشبه الشك الديكارتي مع فارق جوهري أن هوسرل لا يعتمد الشك الكلي، ويصطنع منهج التوقف عن الحكم أو وضع بعض عناصر الموضوع بين قوسين «_» واستبعادها من التأمل، والانصراف بالوعي إلى الماهية الخالصة؛ لذلك فهو يضع بين قوسين «العالم الطبيعي بأسره»، فيعلّق الحكم على الأشياء لتأمل خصائصها الجوهرية كما هي معطاة للشعور ملتزماً الوصف الصادق الذي يتيح للعقل تناول الموضوعات أو الأشياء دون وساطة

المبدأ الثاني: النظر إلى الأشياء والوقائع بذاتها كما هي حاضرة في الشعور، وذلك في إطار عملية تسمى الرد reduction إلى الذات، فيحدث بالرجوع إلى الوعي حدس ظواهر العالم وماهياته، فيبدو العالم ظاهرة مباشرة للشعور الخالص يواجه فيها الشعور الموضوعات والحقائق الخارجية والباطنية، ويلتقيها كما هي ماثلة في حقل الشعور، وهذه حقيقة فكرة قصدية الشعور عند هوسرل، فالشعور قائم على فكرة الاتجاه أو القصد، بمعنى أن لكل فعل من أفعال الشعور أو الوعي موضوعاً خاصاً يتجه نحوه، أي طابع قصدي، فهو دائماً «شعور بـ»، فالشعور لا يخلق موضوعه بل يجده ماثلاً أمامه على نحو ما، ووجود الموضوع أمام الشعور هو الذي يضمن عدم تقوقع الشعور على ذاته وتوجهه دائماً إلى موضوع يغايره، وعليه فالمعرفة بحسب هوسرل هي دراسة الموضوعات كما تبدو ظاهرة في الشعور، وهذه الموضوعات الماثلة في الوجدان أو الشعور هي «ماهيات» (ظواهر) معينة مدركة مباشرة كاللون والطعم والرائحة ونحوها، وتكون علاقة الفكر بموضوعاته علاقة تضايف، ومعرفة تلك الموضوعات هي فعل نفسي يقصد دائماً موضوعه، لأنه يتوجب على الموضوع المعروف أن يستمد من الواقع ويدرك بالحواس الظاهرة والباطنة، وتترك له خصائصه التي يكشف العقل عنها ويوضحها «معنى» أو موضوع أصيل لا يرد إلى عناصره وهنا تتعين مهمة «الفينومينولوجيا» كوصف بنية الشعور الخالص في علاقته بموضوعات العالم واستخلاص معنى الظواهر بإرجاعها إلى البنية المقابلة لها في الشعور الخالص، وبهذا فقط يمكن تحقيق نموذج العلم الأصلي عند هوسرل والذي مجاله الذات الخالصة أو «الترانسندنتالية» Transcendental (المتعالية)، وهي تلك التجربة الباطنة الحية للأنا بعلاقتها بمجموع العالم التي تجاوز أي تقابل بين الذات والموضوع، وباختصار: فإن الفلسفة بوصفها علماً دقيقاً هي ذلك العلم الكلي الذي يقف على المعرفة بالماهيات وخصائصها الثابتة.

كان هوسرل متأثّرا في بداياته بالاتجاه النفساني في الفلسفة، فإنّه سرعان ما اتّجه نحو الاهتمام بالمعاني والماهيات الخالصة، وهو ما تجلّى في كتابه “البحوث المنطقية”؛ ففيه نفى أن تكون العلاقات المنطقية خاضعة للتأثيرات السيكولوجية، أو تابعة لعالم الأشياء، وأكّد في المقابل خصوصيّتها وارتباطها بعالم الماهيات المعقولة التي تمثّل حقائق ثابتة، وتكون موضع اتفاق بين الأفراد، ومنطلقا لأحكام موضوعيّة صالحة لكل زمان ومكان؛ فهي ليست نتاج الشعور، إنّما يتجه إليها أو يقصدها، وهو ما أكّده هوسرل وتوسّع فيه تحت مسمّى القصديّة، وهي فكرة محوريّة في فلسفتهالظاهراتيّة ، إذ لم يقصرها على مجال الأحكام المنطقية، بل عمّمها لتشمل مجالات الإدراك والعواطف والانفعالات والقيم، وهو يعرّفها “بأنّها خاصّيّة كلّ شعور أن يكون شعوراً بشيء” (بدوي، 1984، ج2، ص 541)، ممّا يتيح وصفه مباشرة. ووفق المنهج الظاهراتي حسب هوسرل وجب الكشف عن “الأحوال النموذجيّة للوجود المعطى، أو ظهور الموضوع : الموضوع كما يُدرك، والموضوع كما يُتخيّل، والموضوع كما يُراد، والموضوع كما يُحكم عليه

ويوجز هوسرل منهجه الفكري بقوله : “إنّني أنا يتأمّل على طريقة ديكارت. وأسترشد بفكرة فلسفة، مفهومة على أنّها علم كلّي، مؤسّسة على نحو دقيق محكم جدّاً أقررت بإمكانه، من باب المحاولة والتجريب. وبعد أن قمت بالتأمّلات السابقة، تبيّن لي أنّ عليّ قبل كلّ شيء أن أنمّي ظاهريّات إيدوسيّة (تتعلّق بالإيدوس Eidos= الصورة)، وهذا هو الشكل الوحيد الذي عليه يتحقّق، أو يمكن أن يتحقّق علم فلسفي، الفلسفة الأولى. وعلى الرغم من أنّ اهتمامي يتعلّق هنا خصوصا بالردّ المتعالي، وبأناي المحض وتوضيح هذا الأنا التجريبي، فليس في وسعي تحليله على نحو علمي معا إلاّ بالرجوع إلى المبادئ الضروريّة اليقينيّة التي تنتسب إلى الأنا بوصفه أنا بوجه عام. ولا بدّ لي من الرجوع إلى الكلّيّات وإلى الضرورات الجوهريّة، التي بفضلها يمكن إرجاع الواقعة إلى أسس عقليّة لإمكانها المحض، وهو ما يمنحها المعقوليّة والطابع العلمي. وهكذا فإنّ علم الإمكانيّات المحضة يسبق في ذاته علم الوقائع، ويجعلها ممكنة من حيث هو علم ,

بعض الدروس من كتاب : فكرة الفينومولوجيا

4 يعرض الكتاب ثلاتة دروس لهوسرل الأستاذ في جامعة غوتنجن عام 1907م، وقد اختيرت هذه الدروس لأنها تعكس رؤية فلسفية عميقة ومهمة لهوسرل باعتباره مؤسس الفلسفة الظاهراتية ” الفينومينولوجية ” التي عدت لاحقاً المعبر الأساسي لتأسيس فلسفة متجذرة في الفكر تكرس منهجية متفردة تتوجه مباشرة نحو الظاهرة، لتصف عملية الإدراك مباشرة. هذه الدروس هي مقدمة لدراسات فينومينولوجية عينيّة متعلّقة بما يسميه هوسرل “التقوُّم” وارتباطه بميدان الموضوعات الحسية بادئ الأمر، ويحيل مفهوم التقوم هنا على إشكالية المعرفة وكيفية تحصيل وجود موضوعات المعرفة من حيث أصولها في الوعي المدرك وتعلّقها بكيفية من كيفيات الظهور. ويتضح من الكتاب أن التمييز بين مقامين أو بين علمين، أحدهما طبيعي والآخر فلسفي، أمر مميز لتصور هوسرل لكيفية بناء البدء في الفلسفة، حيث يستعيد الفصل بين الفكر الذي يفتح له فضاءات جديدة (الفينومينولوجيا) وما اعتاد الفكر الاستناد إليه من تلقاء نفسه (الوجود الطبيعي)، أي الانقياد نحو الموجود من حيث هو موجود كأساس موضوعي للعقل.

الدرس الأول : ينطلق هوسرل من قيامه بالفصل والتمييز بين العلمين؛ الطبيعي والفلسفي مؤكداً أن موقف الروح الطبيعي لا ينشغل أبدا بنقد المعرفة ، ثم يمضي ليعمل في تراتبية فلسفية على مقابلة موقف الفكر الطبيعي أو المطالب الطبيعية للفكر بالموقف الفلسفي ، وذلك عبر الإغراق في تأمل العلاقة بين المعرفة والموضوع ، واضعاً يده على المصاعب الرئيسية التي تواجهه في هذا السياق ، وذلك لأن المعرفة تتجلى، من وجهة نظره، مرة واحدة في الفكر الطبيعي ، كما لو كانت سراً، وأن إمكان المعرفة بالنسبة للفكر الطبيعي أمرٌ بينٌ ، واللافت في هذا الفكر أن عمله يتصل اتصالاً غير محدود في كل ما يستجد من العلوم ناهيك عن إمكانية تطوره في إطار هذه العلوم. ثم ينطلق مباشرة نحو إشكالية يطرحها في سؤال هو: كيف تكون المعرفة المتعالية ممكنة؟ فيناقش بإسهاب قضية العلم بشكل عام، مؤكداً أن المعرفة لا يمكن أن تعتمد على علم مُعطى مسبقاً حول موضوعات تتسم بالتعالي، فيقارن بين الأصم الذي يعلم وجود نغمات وإيقاعات تؤسس شيئاً ما، لكنه لا يدرك إطلاقاً كيف تكون الأعمال الموسيقية، لأنها ببساطة شيء لا يمكن أن يتمثل لإدراكه.

الدرس الثاني: ينطلق هوسرل في هذا الدرس من نقد المعرفة مبادراً بالسؤال التالي: كيف لنقد المعرفة أن يقوم؟ فيبدأ بوضع كل معرفة موضع سؤال، ويطرح منهج الشك الديكارتي، مؤكداً ضرورة الامتناع عن كل الأحكام الوجودية السابقة (تعليق الحكم)، ولا يقصد المنهج الديكارتي بعينه إلا أنه يعتمد في نظره على ضرورة حيازة منطقة فكرية مطلقة اليقين انطلاقا من اعتبار الشك، فديكارت اكتشف لكنه لم يعن بالاستكشاف. ثم يتناول ما سماه ” لغز المعرفة الطبيعية المفارقة”، ويفرق بين مفهوم المحايثة والمفارقة (وهي بالنسبة له المسألة الأولية والناظمة لنقد المعرفة) وصولاً إلى مبدأ الرد النظري المعرفي.

الدرس الثالث: ويري في هذا الدرس ضرورة الحاجة إلى يقين يمكن التماسه في الرد النظري المعرفي، مع التحذير من الخلط بين الظاهرة المحضة على معنى الفينومينولوجيا، والظاهرة النفسية موضوعاً للعلم الطبيعي بالنفس، ويرى هوسرل أن:”كل معيش نفسي على سبيل الرد الفينومينولوجي معيش محض تكشف المحايثة ماهيته بوصفها معطى مطلقاً “، كما يتناول الظاهرة المحضة ومسألة الصحة الموضوعية للظاهرات المطلقة وصولاً إلى اعتبار المعرفة الفينومينولوجية معرفة بالماهية.

بحث مقدّم للمشاركة به في ندوة الفكر الظاهراتي التي نظّمت في نادي نزهة لألباب بغرداية يوم 01/04/2017 تحت إشراف الأستاذ محمد عبدالنور.

—————————–

(*)- السنة الثالثة علم النفس، جامعة غرداية

داخل مسالك المعرفة
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029156
اليوم : 39
الأمس : 120
هذا الشهر : 1527
هذا العام : 19446
مشاهدات اليوم : 353
مجموع المشاهدات : 110025
المتواجدون الآن : 3