التاريخ الكبير قفزة ابستمولوجية من أجل قصة علمية عن التاريخ الكوني

قراءة في الفصل الثالث من كتاب التاريخ الكبير (*)

التاريخ الكبير قصة علمية محدثة حول كيف أصبح كل شيء إلى ما هو عليه الآن من داخل التاريخ الطبيعي، ولما كانت دراسة الماضي ممكنة لأنه فقط قد انتهى، وأن مهمة المؤرخ هي إعادة بناء التاريخ بصورة تقريبية وذلك نظرا لأن المؤرخ ذاته هو جزء من التاريخ، ومهمة المؤرخ أيضا هي استيعاب البيانات المتوفرة عن التاريخ استيعابا دقيقا يساعده على الإيجاز والوضوح، وفي النهاية فإن المؤرخ يخترع السياق الذي يضمنه البيانات.

يعتمد المؤرخ على ما يتبقى من الماضي وهذا معناه أنه لا يحصل على كل البيانات ومن ثم فهو سيمارس عملية الترقيع، لذلك فإن معضلة التاريخ الأساسية هي المطابقة بين البيانات المتوفرة مع الإطار المنطقي الذي يبتكره المؤرخ.

إن النقلة النوعية في موضوع التاريخ الكبير هو أننا عندما ننظر إلى الحاضر الآن إنما هو في الواقع ننظر إلى الماضي، وأن الحاضر الحقيقي الوحيد موجود بداخلنا، فنحن دائما ننظر إلى صور من الماضي، ودليل ذلك هو أن التقاطنا لضوء الشمس الآن هو في الواقع التقاط لضوء الشمس الذي يصلنا متأخرا، وليس هو ضوء الشمس الذي تقذف به الآن، وعلى ذلك فإن حقائق العالم الأخرى نلتقطها بنفس التأخير، وهذا يعني استحالة معرفة الحالة الآنية للعالم.

ومن هنا نصل إلى حقيقة ابستمولوجية أثيرة مفادها أن الإنسان لا يتعامل مع حقائق الحاضر في تصوراته وسلوكاته إنما يتعامل مع ما استمده من الماضي، ذلك أن السلوك له أثر في المستقبل، والمعنى أن التصرف وفقا للحاضر تماما أمر صعب المنال، هذا وغيره هو ما ستفيدنا به الباحثة من تلخيص لما جاء في الفصل الأول من الكتاب بين يدينا (**). (تقديم وإشراف ومراجعة: د. محمد عبد النور)

عائشة علواني (1)

نص الملخّص: (2)

التاريخ الكبير هو مقاربة لوضع التاريخ البشري في سياق التاريخ الكوني، وهو النظر إلى ماضي النوع البشري من داخل الصورة الكلية للتاريخ الطبيعي؛ فالتاريخ الكبير يقدم قصة علمية حديثة حول كيفية صيرورة كل شيء إلى ما هو عليه الآن.

فهو فهم جديد من الناحية الجوهرية لماضي البشر، تسمح بتوجيه أنفسنا في الزمن والمكان بطريقة لم يفعلها أي تاريخ أكاديمي حتى الآن، ومقاربة التاريخ الكبير تساعدنا على ابتكار إطار نظري جديد يمكن فيه لكل المعارف العلمية أن تندمج من حيث المبدأ، التاريخ الكبير مصطلح ابتكره المؤرخ دافيد كريسيان في الثمانينات  بمنهج عابر في جامعة ماكواري في سيدني، والذي قدم فيه أكاديميون من علماء الفلك والمؤرخين محاضرات في الأجزاء التي تخصهم في الماضي الشامل، ليصبح منهجا مدرسا بعد ذلك في عدد من الجامعات في بعض الدول؛ ورغم أن المحاضرات المقدمة يمكن الحصول عليها في المجال الأكاديمي، فإنه من النادر تقديمها على هيئة أساس تاريخي واحد وهذا نتيجة لما درجت عليه الجامعات إلى تقسيم العلوم والتخصصات.

وبناء على عالم الفيزياء الفلكية إيريك شايسون، تم اقتراح نظرية تاريخية لكل شيء، حيث يتم تحليل التاريخ البشري كجزء من هذا المخطط الأكبر.

  • دراسة الماضي:

إن مقولة أورستروفسكي “يمكننا دراسة الماضي بشكل دقيق لأنه انتهى”، تشير إلى حقيقة أن كل ما نعرفه عن التاريخ يمكن العثور عليه فقط في الحاضر؛ لأن هذه المعرفة لو لم تكن متاحة هنا والآن فكيف لنا معرفتها؟

ذلك أن أدلة الماضي يمكن العثور عليها فقط في الحاضر، فابتكار قصة حول الماضي يتضمن بالضرورة تفسير هذه الأدلة من خلال عمليات لها تاريخ معين في ذاتها، لأننا ندرك أن كلا من البيئة المحيطة وأنفسنا هما جزء من هذه العمليات؛ نتيجة لذلك فإن كل التقارير التاريخية هي عمليات إعادة بناء، ومن المرجح أن تتغير بمرور الزمن، وهذا يعني أيضا أن دراسة التاريخ لا يمكن أن تقدم تأكيدات مطلقة، ولكن مجرد تقريبات، لواقع كان موجودا ذات مرة؛ بعبارة أخرى ليست هناك تقارير تاريخية حقيقية.

وإن الاختبار الرئيسي لعمليات إعادة البناء التاريخية هو ما إذا كانت، وإلى أي مدى، تستوعب البيانات الموجودة بطريقة موجزة ودقيقة، وهناك حقيقة حول أن كل عمليات إعادة البناء التاريخية تتألف من عدد مختار من البيانات الموجودة ، توضع في سياق اخترعه المؤرخ.

وفكرة أن معرفتنا بالماضي موجودة في الحاضر، تعني أننا لا نعرف شيئا عن الأمور التي لعلها حصلت ذات مرة ولم تترك أثرا في الحاضر ولا نعرف أي شيء عن الأحداث التي تركت آثارا ولم يتم اكتشافها أو تفسيرها أيضا، وهو قد يكون الجزء الأكبر مما حدث في التاريخ، كما قال وليام ماكنيل: إن فن إعادة البناء التاريخية على نحو مقنع يتوقف على ما تبقى من الماضي، ونتيجة لذلك ، فإن إعادة البناء التاريخية هي بالأحرى خرائط مرقعة.

وهذا الجانب المثير للجدل، لم يتلق الكثير من العناية من المؤرخين، ومع ذلك لو توفر لنا كل المعلومات حول كل شيء حصل في الماض فقد تغرقنا تماما البيانات المتوافرة، لإعادة بناء تاريخية مقنعة إلى حد معقول نحتاج إلى أن ننجز أمرين على الأقل ما يلي:

أولا : كشف حقيقة ما حدث في البيانات منذ نشأتها، بما في ذلك اكتشافها بواسطة البشر.

ثانيا: كشف حقيقة ما تخبرنا به هذه البيانات حول الماضي.

في أي حكاية علمية عن الماضي يتم إنشاؤها باستخدام التفكير المنطقي، بما في ذلك نوع الإطار النظري، الذي قد تتم صياغته إما بشكل ضمني أو بشكل صريح على أكمل وجه، يجب أن تتطابق كل البيانات المتاحة مع هذا الإطار، مع ذلك تكون هذه الحالة نادرة في الممارسة، التي تتسبب في مناقشات طويلة لأجيال من المؤرخين والفلاسفة.

ومن المفيد معرفة أن الصفة الإنسانية المهمة التي تسمح بإنشاء عمليات إعادة بناء التاريخ، هي قدرتنا على تمييز النماذج ورسم الخرائط، والبشر موهوبون في هذه القدرة دونا عما سواهم من الحيوانات، وهذا ما سمح لهم ليكونوا ماعليه الآن.

والزمن الحاضر يعتبر نوعا ما زمنا متلاشيا، فبمجرد كلامنا عنه يصبح جزءا من الماضي، وتلك هي أيضا التجارب العلمية، حتى أثناء إجراء القياسات العلمية تتلاشى إلى الأبد تلك الجوانب للحاضر الذي نحاول السيطرة عليه، لذا فإن التقارير الراسخة الوحيدة التي يمكننا بالفعل تقديمها تتعامل مع الماضي، فكل دراسة عن الحاضر هي بالضرورة إعادة بناء للماضي، ولهذا السبب وجب اعتبار التاريخ ملكل للعلوم.

فالحاضر زمن أكثر إثارة للجدل؛ لما تستغرقه البيانات “من الصوت والصورة والرائحة” للوصول إلينا، ورغم أن التأخيرات في الزمن قصيرة جدا، بحيث لا تستحق الاهتمام، في أكثر الحركة اليومية، لكنها موجودة ونحن دائما ننظر إلى صور من الماضي، والحاضر الوحيد هو الموجود داخلنا، وحتى هذا القول مثير للجدل لأن أي وعي للذات وما يحيط بها هو إعادة بناء للبيانات الحسية التي نلتقطها.

وهذه التفاصيل غير المهمة تصبح في دراسة التاريخ الكبير كاسحة، فما الذي يمكننا من رصد مواقعنا من الكون، والمسافات الكونية تسمح لظهور ذلك الفرق الشاسع في انتقال الضوء إلينا، لذلك فإن التقاط الضوء من السماء يجعلنا نسبر أغوار الماضي عائدين إليه في الزمن، وهذا يعني أنه من المستحيل معرفة الحالة الراهنة للكون لأن أغلب الضوء  الذي يبثه الآن لما يصل  إلينا بعد.

دراسة التاريخ تتضمن بالضرورة الإطار الزمني الذي يسمح بتنظيم الأحداث المدروسة تبعا له، وهو العمود الفقري للتاريخ، وهذا الزمن مرتكز حول الأرض بدورانها حول محورها أو حول الشمس، وهي معالم مستقرة تجعل من الممكن تقييم الإطار الزمني ودراسة التاريخ الإنساني الراهن الممتد حوالي 10000 سنة، وبمجرد فحص تاريخ الأرض الممتد إلى 4.6 مليار سنة، وبما أن التاريخ الكبير يقتفي أثر الأحداث إلى بداية الكون، أي قبل ظهور الأرض والشمس بوقت طويل، فمن الواضح أن اقتفاء أثر بقايا الأحداث الكونية هو رصدها في الحاضر من منظور أرضي، إذ لا مفر من استخدام الزمن الأرضي إطارا زمنيا في التاريخ الكبير، ببساطة حبكنا لحكاية التاريخ الكبير يرتكز علينا، ولا يعني أن تطور الكون يتركز على الأرض، بل يعني أن حكايتنا عنه تتركز على الحاضر.

إن البيانات التي يستقبلها الباحثون لدراسة الكون مصدرها الإشعاع الكهرومغناطيسي وتبعا للمسافة والسرعة النسبية، تستغرق زمنا طويلا نسبيا للوصول إلينا بعد حدوث تلك الوقائع، أما الأحداث التي تقع الآن فلا نعرف عنها شيئا، فلا مجال لنا لمعرفتها قبل وصول الإشعاع، والأمر ذاته لأحداث وقعت في وقت أبكر من الأولى لكنها أبعد من الأولى في المسافة لما تصل إلينا إشعاعاتها، والحال ذاته لأحداث وقعت قريبا من كوكبنا لكن منذ زمن بعيد فتجاوزنا الإشعاع قبل أن نعيه.

إن قدرتنا على إعادة بناء ماضي الكون عن طريق الموجات الكهرومغناطيسية محدودة وبالنسبة لما نعرفه من تاريخ البشر 10000 سنة ليس بإمكاننا معرفة التطور الذي حصل لمجرتنا لأننا في انتظار وصول الإشعاع إلينا، إن البيانات التي يمتلكها الإنسان عن الكون هي لـ500 سنة ضوئية على أبعد تقدير، وكلما اقتربنا من الحاضر كلما قلت معرفتنا حول الكون.

ولأن البشر كانوا يرصدون السماء منذ آلاف السنين قد تتوفر لدينا بيانات عن الكون لفترة زمنية أطول عن تاريخ الكون إضافة إلى سجلات راصدين معاصرين ومحدثين تمكن من إعادة بناء سلسلة أحداث المفرقعات النارية الكونية، وهذا لا يبطل المبدأ العام إذا كنا نرغب في دراسة البيانات التجريبية (وهي تقديرية تحليلية على الأصح) التي تولدت قريبة من الحاضر، لابد أن تكون قريبة منا، وقد يكون من المناسب افتراض أن بقية الكون قد تطور بطرق مماثلة لجيراننا الأكثر قربا في الكون، بهذه الطريقة سيكون المشهد المركب لتاريخنا الكبير أكبر.

رغم ذلك فإن تقنيات الرصد الراهنة لا يمكن أن تقوم على بيانات تجريبية بتاتا، ولو كنا نرغب في التمسك بحكاية التاريخ الكبير على بيانات تجريبية فالضرورة تحتم تركيزه على الأرض، مجمل القول بما أن البيانات المستخدمة لإعادة بناء الماضي توجد حتما في الحاضر فإن تحليلاتنا ستكون دائما مركزية بشرية ومركزية أرضية، ثم يتكون فن إنجاز تحليلات تاريخية ضخمة لتاريخ الكون من بداية التعرف عليه، إلى التعامل مع البيانات تبعا لتلك المعرفة، وليس سهلا لكنه الأمر المعقول الوحيد الذي يمكننا فعله.

إن معرفة كيفية نشوء كل شيء نرصده مبني على دراسة التاريخ الكبير، والمثال أن لبنات البناء المشكلة لتعقدنا الشخصي حاليا مثلها مثل كل التعقد الذي يحيط بنا يمكن اقتفاء آثارها في الماضي حتى انبثاق الكون وتطوره، ولهذا كانت دراسة التاريخ الكبير مهمة لأنه مهتم بمعرفة أصل كل شيء من وجهة نظر علمية، وقد قدمت المجتمعات البشرية القديمة سرديات حول كيفية نشوء كل شيء حولها، وهي تعد أكاديميا أساطير نشوء تعطي اتجاها مشتركا: أي هويات وأهداف.

تتوالى أساطير النشوء وتتطور خلال ظهور مجتمعات الدولة المبكرة 6000 و5000 سنة مضت، لتشمل محيطا أكبر حسب الاتساع الجغرافي، وبينما أدت العولمة  إلى تهميش قصص النشوء الخصوصية ليحل مكانها التاريخ الأكاديمي باعتباره تاريخ الشعوب المتعلمة، حيث تم إبعاد كل تعريف آخر للتاريخ، التاريخ الأكاديمي نشأ في القرن 19 بسبب تكوين الدولة القومية في أوروبا وأمريكا بهدف صياغة تاريخ مشرف للدول القومية، وليسهم في تقديم هوية مشتركة للسكان متتبعين في ذلك المؤرخين الرومان قديما، وأدى اهتمام الأكاديميين بالتاريخ المدون والوثائق المكتوبة إلى تصنيفه إلى فترة التاريخ وما قبل التاريخ، وهي الفترة الزمنية التي تغطيها التوراة وقد نبه سمايل دان إلى أن المؤرخين عالقين في التاريخ المقدس.

ظهرت كتب تدمج بين التاريخ المكتوب والحكاية التوراتية ونالت الرواج، ولم يظهر تاريخ علمي للبشر رغم أن ليوبولد فون راك البطل الثقافي للمؤرخين كان داعما للتاريخ بشري وهو ما سماه “تاريخ العالم” و “التاريخ الشامل”، إلا أن كثيرا من المؤرخين يميزون أنفسهم بأنهم علمانيين إلا أنهم ينتجوا تاريخا علمانيا بشريا رغم اعتزالهم قصص النشوء تلك، إلا أنهم ألفوا تاريخا لأممهم وعن الأمم الأخرى بالإضافة إلى ثقافاتهم بتتبع ماضي تلك الثقافات حتى العصور القديمة، بداية النصف الثاني من القرن العشرين شهدت اهتمام بعض المتخصصين بالتاريخ الكبير وأهمهم: وليام مكتيل وليفتين ستافريانوس، وكذا المؤرخ البريطاني جون روبيرتز .

والمصطلح المعتمد للتاريخ الكبير في الولايات المتحدة هو تاريخ العالم، والمثال الجيد لهذا النوع من الدراسات هو “الشبكة البشرية” لوليام وجون ماكنيل، إن النظرة الإقصائية للتاريخ، على أنه تاريخ الشعوب المتعلمة، أفسح مجالا في تقسيم التاريخ حسب التخصصات، فتكفل كل أهل تخصص للتأريخ لمجالهم فلك جيولوجيا بيولوجيا وغيرها؛ وقلة من الأكادميين الذين حاولوا صياغة كل تلك التواريخ في قصة واحدة متماسكة تفسر لنا كيف أصبحنا وما حولنا على ما نحن عليه الآن.

 

  • تاريخ للتاريخ الكبير:

لا يوجد تخصص راسخ لهذا العلم بعد،  أول رائد كان ألكسندر فون هامبولدت 1769_1859،كان مشهورا كشهرة آين شتاين اليوم، وأغلب أعماله كانت مقروءة في العالم الكاديمي شمال الأطلنطي واعتبر أبا الجغرافيا، وله اهتمامات بثقافات الشعوب والكون بمجمله، كتب أول سلسلة سماها كوسموس ملخصا فيها كل المعارف الموجودة حول الطبيعة بما في ذلك التاريخ البشري كما يفهمه، مطلقا على مقاربته اسم التاريخ الكوني للكون، وتوفي قبل انتهائه من المشروع .

وجاء من بعده الفرنسي بارون دهولباش  بمقالات مترجمة وأخرى من تأليفه وكتابه ” نظام الطبيعة أو قوانين العالم الفزيائي والعالم الأخلاقي”1770؛ واضعا البشر في بقية الطبيعة بما في ذلك الكون، المحكم بالمادة فقط والحركة والطاقة، منكرا التفسيرات الدينية ولقواعد أخلاقية البشر، لتوضع عبارته ملاحقة السعادة في إعلان الاستقلال الأمريكي؛ لم يعتبر هولباش مؤرخا مبكرا للتاريخ الكبير ، لكونه لم ينجز مخططا لكل شيء، غير أن مقاربته في النظر إلى البشر كجزء من الطبيعة التي تحكمها القوانين الطبيعية أسهمت في تمهيد الطريق أمام التاريخ الكبير.

وقدم رينيه ديكارت في “العالم، أو مقالة الضوء” مساهمة في فهم الطبيعة والمجتمعات البشرية دون اللجوء إلى تأثيرات فوق الطبيعة وقد نشر بعد وفاته 1664 محللا أنشطة السماء بمصطلحات العمليات الطبيعية دون تدخل مقدس، وقدم الفيلسوف عمانويل كانط باسم مستعار أفكاره حول الكون متضمنا نظرية حول ظهور المجموعة الشمسية، بالإضافة إلى فكرة أن السدم كانت بالفعل أكوانا معزولة وبعيدة مفسرا ظهورها بقوى طبيعية، مع ذلك رأى أن العمل المقدس لازالا قابلا للكشف عنه في الطرق التي تشكل بها قوانين الطبيعة الواقع، وكانت هذه محاولة لحماية نفسه من تهمة الإلحاد ، ويمكن اعتبار هيجل سلفا في التاريخ الكبير لمحاولته العثور على قاعدة فلسفية مشتركة لكل الطبيعة بما فيها ماهو بشري.

الرائد الثاني بعد فون هامبلدوت روبرت شامبرز (1771_1802) اسكتلندي بكتابه “آثار التاريخ الطبيعي للخلق”، وبعكس فون هامبلدوت لتاريخ الكون في “الكون” الذي كان أغلبه تصنيفا قدم تشامبرز في “الآثار” تاريخا ديناميكيا لكل شيء، والكتاب يشتمل على عدد كبير من الفرضيات التي تثير التحدي وطبعا اشتمل على نظرة عنصرية للقوقاز؛ لقد أثر كتاب “آثار” في المجتمع المعاصر بالترويج للمسار المتوسط بين الراديكالية والمسيحية الإنجيلية، خاصة في بريطانيا الفكتورية ورغم أن الكتابين ظهرا في نفس الوقت، “الكون” و”الآثار، إلا أن هامبلدوت حاضر بالفعل منذ 20 عاما؛ وقد أسهما في التمهيد لأعمال تشارلز داروين، وألفريد راسل والاس حول تطور الحياة.

النصف الثاني للقرن التاسع عشر شهد فراغا في التأليف للتاريخ الكبير، ليعود في القرن العشرين بكتاب “مخطط التاريخ” لـ ه.ج.ولز 1920م، من تأثير الحرب العالمية الأولى، لإيجاد هوية عالمية تسهم في منع حصول تلك الحروب الفظيعة مركزا على تاريخ الأرض والحياة والجنس البشري.

 مع بداية السبعينات تم إنتاج أنواع جديدة من التاريخ الكبير تبعا لتأثير الرحلات الفضائية والعولمة والتصنيع المتنامي فحفز فكرة النظر للأمور في مجملها، وأوا بحث هو “تاريخ كولومبيا عن العالم”1972 وهو نتاج فريق من المتخصصين لفترة مابين ظهور الكون إلى ظهور الزراعة؛ بعد رحلات أبولو أصبح النموذج “بمفهوم توماس كوهين” عن تاريخ الكون وعن المجموعة الشمسية مقبولين في العالم، وتزامن ذلك مع ظهور تقنية معرفة أعمار الصخور وطرق أخرى لمعرفة أعمار الأشياء والأحداث الأخرى، ليطلق دافيد كريستيان ” ثورة كرونومترية” ليتم تحديد أكثر دقة لتاريخ الحياة.

ليقدم خلال الثمانينات مجموعة من العلماء من عدة جامعات في الولايات المتحدة توليفة من علوم الطبيعة تتضمن كتبا ومنهاج جامعة في التاري الكبير، وبدأ هذا المقياس بالاندماج في الحياة العلمية بشكل متزايد وفي كل جامعات العالم الغربي .

وكان الفيلسوف إيريك جانشتن أول من طور منهاجا للتاريخ الكبير “الكون ذو التنظيم الذاتي” 1980 ملخصا المبادئ المهمة؛ مع نهاية الثمانينات الرائدان دافيد كريستيان وجون ميرس الأول بمنهج شمل المتخصصين، أما الثاني فاستلم تصميم وتدريس المنهج بنفسه.

  • خاتمة: هل هي نظرية تاريخية لكل شيء؟

أدت الجهود في إلى ظهور التاريخ الكبير كنظرية تاريخية عن كل شيء، ولا تتضمن هذه النظرية زعما بتفسير تفاصيل كل حدث في أي وقت من التاريخ، ولكن يمكن إدراك الأنماط العامة التي تظل غامضة، إذا نظرنا إلى أجزاء أصغر في ماضينا.

يمكن تفسير ظهور واندثار الظروف الاجتماعية والبيئية التي ساهمت في التأثير على الأحداث وحتى ظهور التاريخ الكبير يعد حدثا، قد يرى علماء الطبيعة أنه بعكس المجتمعات البشرية يمكنهم التنبؤ بدقة في الكثير من الظواهر الطبيعة، والإجابة أن تلك النظم بسيطة حيث تحدث الأنماط بشكل منتظم، فإذا استطاع علماء الطبيعة التنبؤ بحدث سوبرنوفا محتمل فإن في تلك الحالة يتم الاعتماد على مقاربة التاريخ الكبير.

——————————————————-

(*)- فريد سباير، التاريخ الكبير ومستقبل البشرية، ترجمة: عزت عامر، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2015، العنوان الأصلي للكتاب (The Big History and the future of humanity)

(**)- الفصل الأول بعنوان: “مقدمة للتاريخ الكبير” ممتد من الصفحة 17إلى الصفحة 38.

(1) –  ماجستير في العلوم الإسلامية.

(2)- نص هذا الملخّص من مخرجات “منتدى مسالك المعرفة” الذي يعنى بمتابعة التطورات الحاصلة على مستوى الفكر العلمي الإنساني، بالتعريف بها ونشرها أولا ثم محاولة استثمارها داخل المنظومة الثقافية والحضارية وطنيا وإقليميا وكونيا. المنتدى تحت إشراف الدكتور محمد عبد النور.

شملت الملخّصات المقدمة عدّة كتب مرجعية في الفكر المنظوماتي والحيوي حديثة الصدور وكذا حديثة الترجمة، سنعرض لترجمات بعض من فصولها تباعا في ركن “مسالك المعرفة” من هذا الموقع.

داخل مسالك المعرفة
مارس 2021
د ن ث أرب خ ج س
 123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
28293031  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

037485
اليوم : 11
الأمس : 57
هذا الشهر : 393
هذا العام : 5257
مشاهدات اليوم : 35
مجموع المشاهدات : 138058
المتواجدون الآن : 1