الحراك الجزائري على محك الصراع الفكري.

القابلية للاستعمار مفهوم صاغه مالك بن نبي تحديدا للتنبيه إلى الفارق بين التحرر السياسي الظاهري وبين التحرر النفسي والأخلاقي للشعوب المستعمرة، فالتحرر السياسي يمكن أن يحدث في زمن قياسي جدا بالنسبة لما يتطلّبه التحرر النفسي والأخلاقي من وقت وجهد، والمقصود بالتحرر النفسي الأخلاقي هو التغير العميق الذي يطال الشعوب المستعمَرة في معاملتها ونظرتها لنفسها من جهة، ومعاملتها ونظرتها للشعوب المستعمِرة من جهة أخرى.

فإذا أخذنا المثال الجزائري وجدنا أن التحرر السياسي المباشر تم في مرحلة أخيرة مدتها سبع سنوات (1954-1962) إلا أن مُضي السنين كشف أن الاستقلال كان منقوصا من ناحيتين:

1- اتفاقيات إيفيان التي أقرّت بسيادة منقوصة للجزائر منها مثلا ما تعلّق بالتصرف في الثروات الوطنية.

2- تبني نظام سياسي بعيد عن المنطلقات الأهلية والذاتية للمجتمع الجزائري.

وهذا طبعا يفسر عدم قدرة المجتمع الجزائري حينها على أمرين هما:

1- مراقبة الشأن السياسي العام في الجزائر.

2- التخطيط لترقية الحياة وتنمية الإنسان الجزائري.

فالقابلية للاستعمار هو فقدان الأهلية في استحداث آليات مراقبة الشعب المراقبة الفاعلة لرجل السياسة ورجل الإدارة، وكذا فقدان آفاق رؤية بعيدة المدى وفقدان كفاءة في التخطيط الواقعي لتحقيق أهداف واضحة في مسار التنمية البشرية للمجتمع والتطوير المادي لبُناه التحتية.

التحرر النفسي والأخلاقي يكون إذن من زاويتين:

1- “تحرير النظرة” إلى الذات وإلى الآخر.

2- “تحرير معاملة” الذات والآخر.

نظرة أفراد الشعب الواحد لبعضهم البعض نظرة احترام متبادل لتحقيق معاملة قائمة على العدالة والمساواة بين أفراد الشعب، نظرة أفراد الشعب إلى الآخر المستعمِر القديم وغيره نظرة سيادية لتحقيق معاملة قائمة على الندية والمنافسة.

وذلك ما لم يحصل في مرحلة ما بعد الاستقلال المنقوص والنظام السياسي غير الأهلي، حيث تكرست كل الأمراض الأربعة:

1- انسحاب الشّعب من الحياة السياسية.

2- غياب مشروع سياسي واجتماعي تنموي.

3- طبقية ثقافية واقتصادية فادحة في المجتمع.

4- دونية نفسية وتبعية ثقافية واقتصادية للمستعمر والآخر عامة، ذلك ما نبّه إليه بن نبي وربما حدَسَه مصالي الحاج برفضه التسرّع في إعلان الثورة!

مصالي رفض عمليا “التسرع” في إعلان الثورة، بينما بن نبي نبّه كمحلل موضوعي لما حصل بين فارق من التحرّرين السياسي والنفسي، فانتهى إلى أن التبعية والاستتباع سيتواصل بشكل خفي مبطّن مادام الشعب يملك قابلية نفسية وثقافية للاستعمار.

فالقابلية النفسية تتجلّى خاصة في الاتكالية وعدم تحمل تبعات الاستقلال السياسي، أي أن الشعب كان كالطفل القاصر الذي سُلمت له القوامة على نفسه وعلى أشخاص آخرين، كما تتجلى في عدم تقدير المسائل بقدرها الحقيقي، وعدم الاستعداد لبذل الجهد المطلوب لتحقيق ما يجب تحقيقه.

بينما تظهر القابلية الثقافية للاستعمار في عدم القدرة على التحليل الصحيح للأحداث ولا مجاراة العمق الذي يتطلّبه تعقيد تلك الأحداث، وفي النهاية القبول بالتحليلات التي يقدّمها الأجنبي والتسليم بها على أنها حقائق موضوعية أو حتى نهائية لأنها صادرة من مركز العلم والتكفير الصحيح! فضلا عن الخضوع للدعاية الإعلامية الصادرة بفقد المعلومة خاصة، والمعلومة الدقيقة والموثوقة التي يحصّلها الأهلي وعلى أساسها يبني التحليل الصحيح للأحداث.

إذن فخلاصة القابلية للاستعمار تكمن أساسا في أمرين:

1- التمسّك بالأشياء والأشخاص دون الأفكار.

2- الخضوع للصراع الفكري الملوث للصفاء الذهني والتفكير السليم في القضايا الساخنة والراهنة والمشتت للأهداف بتحييدها عن مسارها.

لذلك وحتى يكسب الحراك الراهن في الجزائري الكسب المضاعف، أعني الانتصار الآني وضمان أهدافه المستقبلية لابد له من أمرين:

الأول: وأجده قائما فعليا من حيث المبدأ وهو المتعلّق برفض إبراز ممثلين عنه، أي عدم شخصنة الحراك والتحصّن بـ”فكرة” الحراك، والاعتماد على منطق الانتخاب الطبيعي في فرز الممثلين، مع التحفظ على الرفض المطلق للتمثيل الذي هو ضرورة تاريخية وسياسية لكل إرادة تسعى للتحقق الفعلي في مسار التاريخ.

الثاني: الأرجح أن يكون متحققا بالقوة في المجتمع الجزائري المتحرك راهنا، وهو الوعي التام بأن خروجه إلى الساحات والشوارع، سوف لن يتبعه عودة ودخول إلى المنازل، وهذا هو التحدّي الأهم الأهمية القصوى، الشعب خرج أول الأمر لمطلب سياسي مباشر، لكن في جوهر الأمر خروج عن قيود الإخلاد إلى الأرض وانتظار التحول بين عشية وضحاها أو انتظار حصوله على يد شخص يمكن الاعتماد عليه، فالجميع خرج -أو يفترض ذلك- ليكون لبنة في بناء اجتماعي جديد يبنيه الكل.

وطبعا اللاعودة هنا رمزية، ذلك أن التحرر السياسي سيتطلب جهدا وتوترا عاليا جدّا إلى أن يحقق مطالبه المباشرة؛ فالتحرر السياسي سيستحيل إلى ضرب من الرباط على ذلك المكسب ومحاولة دائبة ودائمة لإقامته وتقويمه، حتى يستحيل إلى ثقافة لدى الأجيال، خاصة إذا تم تكريسه بقوانين وقرارات سياسية تجعل مراقبة الشأن العام فرض عين على كل فرد، وبشكل شبه يومي حتى تغدو السياسة مندرجة في يوميات كل مواطن لا يختلف في انشغاله بها عن انشغاله بحاجاته الجسمية (الغذاء خاصة) وحاجاته الروحية (الشعائر الدينية خاصة)، فتكون السياسة الحاجة الواصلة بين الحاجتين الجسمية والروحية لئلا ينقطع مدد الغذاء بالاقتصاد ولا ينقطع مدد الشعائر بالعلم.

أعني أن ضمان الغذاء يقتضي اقتصادا قويا، وقوة الاقتصاد لن تتحقق إلا بمراقبة مستمرة للسياسي لئلا يقع في أحد خطأين:

  • احتكار الاقتصاد.
  • سوء التخطيط.

وأن ضمان تدين صحيح يقتضي علما فاعلا، وفاعلية العلم لن تتحقق إلا بمراقبة مستمرّة للسياسي لئلا يقع في أحد خطأين:

 1- استغلال الدين.

2- موت الضمير.

بهذا فإن أهم مقوّمات المجتمع بعد أن يحقق الحراك أهدافه المباشرة:

1- اقتصاد قوي يهدف أساسا لتحسين العيش بداية بضمان لقمة العيش للجميع.

2- علم فعّال يهدف أساسا لتحسين العيش بداية بضمان يقظة روحية للجميع.

فلا يمكن تصور اقتصاد حي بالفساد الاقتصادي وسوء التخطيط، ولا يمكن تصور علم فعال بالدجل الديني وموت الضمير، بهذا يكون من غير الممكن تصور تحقيق لأهداف الحراك الثوري الجاري في الجزائر دون استعداد الجموع المتحرّكة كل جمعة في كل القطر الوطني لأن تعيد برمجة أوقات استراحتها فتخفّضها بالقدر المستطاع لصالح توسعة مجال ممارسة الرقابة على الفاعل السياسي الذي توكل له مهمّة نيابة الشعب وخدمته، وتقديم يد العون والدعم المادي والروحي له كلما اقتضى ذلك وكان في خدمة الجميع.

هكذا يصبح ممكنا رأب الهوة بين المرحلتين قائما على حقيقتين:

1-     حقيقة القابلية للاستعمار والتغلّب عليها ببرنامج وخطط واضحة، استنادا إلى أن المهمة الأهم تنتظر الشعب بعد تحقيق مطالبه السياسية، وذلك معنى قول النبي (ص) لأصحابه منبها لهم بعد عودته من انتصار في الغزو: “عدنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر”، فالجهاد الأكبر هو جهاد مراقبة الذات لذاتها، وبكلام أوضح مراقبة الذات الاجتماعية لذاتها الاجتماعية، ذلك أن حقيقة الفعل الثوري الجاري في حد ذاته، هو أن الشعب خرج ثائرا على نفسه المخلِدة أكثر من كونه خرج لإزاحة كيان سياسي هو في واقع الأمر مكون من أفراد ينتمون إليه، أو هكذا يجب أن يكون وعي الناس بحراكهم.

2-     حقيقة أن الحراك الثوري الجاري هو استمرار وتصحيح للثورة الأولى، ثورة 1954، وسِلميتُها من مبشرات كونها دلالة على تقدّم كبير في التخلّص من داء القابلية، حيث الصراع فيها فكري محض متركّز على الجانب النفسي بأدوات الإعلام القديمة والجديدة، والفرصة العظيمة التي أتاحتها اللحظة بالإعلام الجديد الذي يسهم إسهاما متعاظما في تحصين المناخ الفكري للفعل الثوري من الملوثات المقصودة والعفوية التي يتعرض لها بشكل ممنهج.

أخيرا وكخلاصة، النقطة المحورية التي يجب التأكيد عليها هي أن الحراك الجاري في الجزائر لا يجب أن يكون مجرد كر وفر معزول في لحظة تاريخية مفردة، أعني تنتظر فقط تحقق المطلب السياسي لتعود الجموع إلى السبات مجددا، إنما الحراك الجاري هو فقط الشرارة التي أشعلت عملية كر وفر لا تنتهي تبقى مستمرة وبأشكال مختلفة، معتمدة خاصة على الجانبين الرئيسين للحياة الإنسانية هما الاقتصاد، والعلم بحيث يمارسان لأغراض ودوافع وخلفيات سياسية وثقافية واضحة وصريحة: السير بالوطن قدما نحو التنمية الشاملة ضمن مشروع وطني موحّد تجمعه فكرة أن الجميع يعمل والجميع يستفيد، والجميع يناضل ويفكّر من أجل أن يستفيد الجميع، باختصار الحس النفعي والعملي كفكرة جامعة مانعة لكل من خرج في الحراك أو سانده أو مال إليه.

داخل المقالات
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029159
اليوم : 42
الأمس : 120
هذا الشهر : 1530
هذا العام : 19449
مشاهدات اليوم : 449
مجموع المشاهدات : 110121
المتواجدون الآن : 1