الخطاب الفلسفي وقدراته في الجزائر

يعالج هذا الحوار القصير (1) مسألة الخطاب الفلسفي في الفضاء العمومي الجزائري، بداية من حيث حضوره كمادة صمّاء في مناهج التدريس، ثم إمكانيات ربط السؤال الفلسفي وقدراته على تقديم الأجوبة الحية التي تساعد على الإصلاح الفعلي للمجتمع، وأخيرا علاقة الخطابة الفلسفي بالمجتمع والدولة وإمكانيات تحرره من الارتهان إلى الإكراهات التاريخية.

هل للفلسفة حضور فاعل في فضاءاتنا التربوية والأكاديمية؟ وما دورها في حياتنا العملية؟

المؤكد أن للفلسفة حضور في فضائنا الثقافي عموما لكونها من مقتضيات الحداثة التربوية والعلمية، لكن السؤال عن مدى فاعلية التفلسف في مجتمعاتنا، والفاعلية إبداع أولا وتأثير ثانيا، ولا يمكن أيضا نفي محاولات إعطاء الفلسفة فاعليتها في ثقافتنا فضلا عن محاولات الإبداع، لذلك يبقى الفراغ كامنا في أمرين هما: أولا، العامل الذاتي: هل الإبداع الذي نزعمه إبداع أصيل ونابع من قدرة حقيقية على التفلسف أم أنه اجترار لمقولات الآخر أو هو مجرد كلام منتفخ لا سند منطقي أو واقعي له. ثانيا، العامل الموضوعي: عدم تحول الإبداع الفلسفي وتأثيره إلى عمل مؤسسي سواء من حيث احتضان المجتمع له أو من حيث تأطيره من طرف السلطة السياسية. والمحصّلة أن العائقين مترابطين، أعني أن الفيلسوف يجب أن يمتلك فكرا حقيقيا نابعا من مكابدة لأحواله الذاتية والموضوعية، ومن ثم يستقطب اهتمام الفاعل الاجتماعي والسياسي به شرط أن يكون الفاعل أيضا على درجة من الوعي بأهمية التفلسف والمعرفة عموما في المجتمع الإنساني.

وما علاقتها كممارسة نظرية وتأملية هادئة بواقعنا وما يطاله من إكراهات وتحولات في سياقاتنا الاجتماعية؟

المتفلسف هو المسؤول الأول عن التأطير النظري للواقع الاجتماعي من حيث استكشاف البنيات الرئيسة التي تتحكم به واستكشاف طبيعتها استنادا إليها وإلى الواقع الإنساني العالمي، وتلك المرحلة الأولى الواجب تحققها، أعني فهم طبيعة أنساقنا الاجتماعية والبنيات الثقافية الخفية المتحكمة فيها، أما المرحلة الثانية فهي اقتراح الخطط والبدائل الضامنة للتنمية والنهضة بأقصر الطرق وأقل التكاليف، فيكون الفيلسوف هو المهندس الأول لمجتمع الحاضر والمستقبل، ثم من بعده يأتي دور المنفذين على المستويين الاجتماعي والسياسي.

ولماذا لا نلاحظ اهتماما في بلادنا بهذا الحقل المعرفي وكل المجالات الفكرية التي تنفع المجتمع والدولة في آن؟

باختصار هذا يعود إلى طبيعة الفاعل السياسي والاجتماعي الذي يملك مفاتح التنفيذ وصناعة القرار، أعني مستواه الثقافي، فهو وإن تعامل باحترام مع الفيلسوف والمثقف، إلا أنه سوف لن يفقه أقواله ومقولاته، وبالتالي سيبقى خاضعا لغريزته ووعيه الغُفل في صناعة القرار والتنفيذ، فضلا عن حقيقة الحضور الفاعل للذهنيات الاقصائية نحو المثقف أو حتى التشويش عليه وعلى أفكار وما سماه بن نبي بالصراع الفكري، ذلك أنه وبشكل طبيعي سيكون المثقف مصدر إزعاج لنسق صناعة القرار المكون من فاعلين بعيدين عن عالم الثقافة والمثقفين، وقمة المأزق هو أن يكون اهتام الفاعلين بالفيلسوف والمثقف لغاية دنيئة هي ضمه إلى النسق من أجل تدجينه لا من أجل الإفادة منه، هذا الواقع الحاصل الذي يجب أن يتغير.

—————————————

(1)- حوار قصير أجراه الأستاذ الصحفي جمال بوزيان مع الدكتور محمد عبد النور، نشر على صحيفة المغرب الأوسط، على صفحة مراصد ثقافية بتاريخ 21 نوفمبر 2019

داخل أسئلة الفكر وأجوبتها
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029159
اليوم : 42
الأمس : 120
هذا الشهر : 1530
هذا العام : 19449
مشاهدات اليوم : 441
مجموع المشاهدات : 110113
المتواجدون الآن : 1