الدور الاجتماعي البيولوجي للتديّن وأسسه الوراثية.

قراءة في الفصل السادس من كتاب التطور البيولوجي للعقل والسلوك الدينيين (*)

انطلق فولاند من افتراض أن التدين معطي وراثي، ويعني به أن النزوع إلى التدين تصميم مسبق مبثوث في جينات الإنسان وهو موجه لأداء وظيفة محددة، فكيف يمكن إثبات ذلك في الممارسات الدينية؟

صنف فولاند تجليات بيولوجيا التدين في ست جوانب يظهر كل منها وجود برمجة وراثية مسبقة لفعل التدين، كفعل مطلق بغض النظر عن مضامينه، أولا: حقيقة أن الأطفال يتحولون إلى التكفير في عقل مطلق عالم بكل شيء بعد أن يكتشفوا أن الكبار لهم عقول محدودة، وهو ما يكشف أنهم مفطورون على البحث عن الغائية بعيدا عن الثنائيات العقلية، ثانيا: أن الممارسات الروحية تنعكس إيجابا على العافية الصحية من خلال الاستغراق في التأمل والنشوة والانجذاب وغيرها من الظواهر التي تنتمي إلى الدين فلا يمكن أن تحدث لولا وجود تهيؤ وراثي، ثالثا: يحدث أثناء أداء الشعائر “تزامن انفعالي” للمؤمنين يقوم بتقوية الرابط الاجتماعي بينهم، فضلا عن الخدمات الإيثارية التي يتبادلونها بينهم، رابعا: يصحل التبادل المعرفي بواسطة التواصل اللغوي الذي يقوم بدور الموجه لميول الشخص واختياراته غبر الذكريات والقصص التي تحدد هويته الشخصية، خامسا: يقوم التواصل على علامات أمينة يتم تداولها تساعد على الالتزام الا×لاقي الذي يفرض على الفرد تبادل الخدمات مع جماعته مجانيا، سادسا: توضع الأخلاق في المجتمع للتغلب على حوافز المنفعة الفردية، وتتضمن الأخلاق العقوبة للحفاظ على النظام لكنها تعتمد أكثر في تحقيق النظام على الضمير الحي الذي يخضع عفويا وغراديا للقانون الأخلاقي؛ تفصيل هذا وغيره نجده في ملخص الباحث بلحاج ارفيس عن الفصل الأول من كتاب:  التطوّر البيولوجي للعقل والسلوك الدّينيين. المشرف د. محمد عبد النور

ارفيس بلحاج (1)

يعتبر إكارت فولاند أنّ التكيُّفات لابدّ وأن تفي بثلاث معايير: (2) “أن تكون متوارثة، وأن تكون نتاج عمليات انتخاب تاريخيّة وبالتالي تُظهر تصميماً من أجل غرض خاص، وأن تحل مشكلة تكيُّفية أو أن تكون على الأقل قد وصلت لحل مشكلة تكيُّفية وقت تطوّرها”(ص 21)  بالنسبة لمعيار الوراثة يرى إكارت أنه لا يُمكن التعامل معه لأنّ برامج تنمية المخ باعتباره مكان التديّن البشري هي متوارثة على نحو لا يقبل النقاش، لذا فإنّ مسألة التكيّف البيولوجي للتديُّن سوف تركِّز على المعيارين الثاني الذي يعني التصميم لهدف خاص، والثالث الذي يعني الوظيفيّة، وعلى أساس هذين المعيارين نتساءل إلى أيِّ مدى تتشكّل الحياة الدّينيّة والممارسات الدّينيّة (التصوُّف والشعائر والأساطير والاحتفاليات والتابوهات والخوف من الرب أو الأرواح أو السلف) بالتكيُّفات البيولوجيّة؟

لتحقيق ذلك فلابدّ من فحص هذين المعيارين ضمن مُكوِّنات التديُّن؛ وهي مُكوّن معرفي ومُكوّن روحاني ومُكوّن الرابط الاجتماعي ومُكوّن يُشكِّل الهويّة ومُكوّن تواصلي ومُكوّن أخلاقي. ولنبحث في جزء من الأجزاء الستة عن تصميمها لهدف خاص ووظيفتها البيولوجيّة.

1- المكون المعرفي:

يُشير إكارت إلى أنّ كلّ الدّيانات تنتج ميتافيزيقيا تعتمد على العقل البشري الناتج عن عمليات الانتخاب البيولوجيّة، لذا فإنّ الاعتبارات الميتافيزيقيّة عليها أن تكون مغروسة في الأرض بيولوجياً. تعليله لذلك أنّ “المدى الذي تطوّر به العقل البشري بيولوجياً يشمل ظواهر مثل السذاجة الثنائيّة والفكر الغائي والمذهب الماهوي النفسي وكذلك نظرية عن العقل وأداة للكشف عن العامل الفعّال والانطولوجيات الحدسيّة وبعض أمور أُخرى قليلة. عندما تُؤخذ هذه الظواهر مع اعتبار تفاعلاتها فإنّ هذا المدى للعقل البشري يُؤكِّد على وجود سيطرة تكيفيّة في الكثير من المشاكل الحقيقيّة للحياة واستمرار البقاء في الوجود.”(ص 25) لتوضيح هذه الفكرة يُقدِّم إكارت مقاربة عن الأطفال دون سن الخامسة حيث أنّهم يُعزون لكلّ الأشخاص في بيئتهم المباشرة العلم بكلّ شيء، وعندما تتنامى لديهم نظرية للعقل فإنّهم يبدؤون في فهم أنّه بالنسبة لمجموعات المعرفة المختلفة تُوجد عقول مُختلفة مطلعة عليها كلّ الاطلاع. “الأطفال تحت سن الخامسة يُفكِّرون غائياً: هناك سُحب حتّى يحدث مطر، المطر يحدث حتّى تستطيع الزهور أن تزدهر. وأخيراً فإنّ الأطفال صغار السن ينسبون حالات عقلية إلى أفراد موتى وبالتالي فإنّ تفكير الأطفال ليس بالضرورة ثنائي (أو ثنوي)، ولكنّهم في الوقت نفسه يختزنون الافتراض بأنّ هناك حياة بعد الموت. ومن المثير للاهتمام حقاً أنّ هذه المواقف الأساسيّة في الطفولة المبكِّرة، أي افتراض أفراد لهم علم بكلّ شيء والطريقة الغائيّة والثنائيّة في التفكير، هذه المواقف المعرفيّة تشكِّل أيضاً الأساس لفروض نظريّة حاسمة في الكثير من النظم الإلهية للأديان.”(ص 26) هكذا يخلُص إكارت في هذا الموضع أنّ التديُّن لا يلزم أن يتمّ تعلّمه أوّلاً تعلُّماً شاقاً. فالتديُّن على عكس ذلك ينتج تقريباً أوتوماتيكياً من الجهاز المعرفي للبشر، في حين أنّ الجهد العقلي الفعلي إنّما يتكوّن من نبذ العقلانيين للإيمان.

يعرض إكارت أيضاً مفهوما آخر عن الملامح الفريدة للعقل البشري نسبه إلى داكويلي، وهو مفهوم الإلتزام المعرفي؛ “الالتزام المعرفي يُجبر المرء على أن يتأمّل باستمرار في أوجُه الانتظام والقواعد الموجودة في خبراته. الالتزام المعرفي يفرض تصميم معقول ومُتماسك لتصوير أحداث العالم، بدون أيِّ ثغرات في التفسيرات، وبدون أيِّ جزرٍ من اللامعقول. من الواضح أنّ أفراد البشر لا يستطيعون تحمُّل أيَّ أحداث طارئة غير مُتوقّعة، ولا تحمُّل اللامعقوليّة أو عدم اليقين سبباً، ذلك أنّ مالا يُمكن فهمه يُولد الخوف. لتجنّب ذلك يرى البشر عِللاً وأسباباً حتّى عندما لا يُوجد أيٌ منها.(ص 26) ففي هذه الحالة فإنّ المخ يعمل باستمرار ويُولِّد قصصاً، يرفض أن يرى نتائج دون أسباب وقواعد لذا فهو يُؤلِّف قصصاً تتيح لهذه القواعد أن تكون معقولةً على وجه التقريب.

النقطة الثالثة في ميتافيزيقيا الدّين هي نسبة الأخطاء المعرفية في النفس البشريّة ودور العقل في إدراك تلك الأخطاء، “عند النظر إلى ميتافيزيقا الدين في هذا الضوء نجد أنها تتأسس على أخطاء وتصنيفات زائفة لما هو أساسا ماكينة وظيفية معرفية. بهذه الطريقة تكون الافتراضات الأساسية الميتافيزيقية مجرد منتجات ثانوية لا يمكن تجنبها، تترتب عليها نتائج تنحو إلى أن تكون بيولوجيا بلا ضرر، وهي ناجمة عن النفس التي تطورت بيولوجيا والتي تهدف إلى التغلب على المشاكل التكيفية، وهذه النفس وإن كانت لها كفاءتها لا تقوم بوظيفتها بدون صنع أخطاء. معرفة مدى إتقان عمل العقل هي مسألة تجنب الخطأ في التوازن بين التكلفة والفائدة، خاصة بالنسبة لمخاطر الصلاحية، التي تنتج عن الأخطاء المعرفية.”(ص 27) في الأخير يصل إكارت إلى أنّ الميتافيزيقيّة الدّينيّة تصنّف كنتاج ثانوي غير وظيفي للتكيفات المعرفية، عندما تنشأ من الضبابية في الميكانزمات المعرفية، يُعلِّل ذلك بقوله: ” عندما نخضع أحيانا لما يتم اقتراحه ونرى الشيء الخطأ في ضوء الشفق الضئيل فإن هذا قد يكون فيه أذى أقل مما يحدث عندما نعيش بالكامل بدون أي أنطولوجيات حدسية، ولا ندرك المخاطر أو الفرص الموجودة حقا “. (ص 27 28)

2- المكوّن الروحاني:

تدخل العمليات العقلية مثل الاستغراق والتأمل في الممارسات الروحيّة، والأشخاص الموهوبون في ذلك يستطيعون الوصول إلى حالات من النشوة والانجذاب من خلال تمرينات التصوُّف، وما يُفسِّر ذلك بيولوجياً هو أنّ “العمليات الكيميائيّة-العصبيّة التي تتطابق مع هذه الحالات العقليّة تكون مصحوبة بنتائج تؤثر في الصحة والعافية: فهي تقلل من الإحساس بالألم، وتنظم الحرارة، وتدعم الوظائف المناعية، وتُقلِّل من فقدان الدم، وتُلطِّف من تأثيرات حالات الخلل الوظيفي بالأمراض النفسية، وتنشط جهاز الربط.”(ص 28)  فهكذا فإنّ العناصر الصوفية في الحياة اليومية يمكن أن تؤدي إلى تحسن عافية المرء بدنياً وعقلياً وتُوفِّر تحكُّماً أفضل في الأحداث الطارئة غير المتوقعة.

إنّ تأثيرات التمارين الروحيّة على ممارسيها في التفاني الصوفي، مثيرة للاهتمام بما فيها من وجود علاقة ارتباط موجبة، “وإنما هناك أيضا ما هو موثوق به إحصائيا من التحاليل الأكثر شمولا. هناك أيضا بالطبع “الجانب المظلم” من المخاوف والهواجس الاستحواذية، والتي تصاحب على وجه التأكيد وجود مخاطر صِحيّة بدرجة لها مغزاها، على أنه بصفة عامة نجد أن التأثيرات الإيجابية هي السائدة.”(ص 31) لذا فقد ثبت أنّ الدّين له دور وظيفي بالغ الأهميّة من وجهة نظر البيولوجيّة.

3- مكوِّن الرابط الاجتماعي:

ليست الوظائف الروحانيّة مقصورة على الفوائد الشخصية فحسب، وإنّما لها بُعدٌ اجتماعيٌ في الإسهام المشترك. “العملية كلها كثيرا ما يجرى دَعْمُها بالإيقاعات وتنتهي بنوع من “التزامن الانفعالي” للمساهمين. الأديان بدون الشعائر ذات التأثير الانفعالی سینقصها معا العمق الانفعالي، والقوة الدافعة. يعني هذا أن الشعائر تستخدم بوجه خاص عندما يكون المقصد هو طلب جهود جُموعية أو خدمات خاصة إيثارية من المؤمنين (الحرب، أو المنافسة، أو التضامن). يتم هذا فيزيولوجياً عن طريق تنشيط نظام الربط المشترك بين الثدييات، ويتم هذا سيكولوجيا عن طريق شكل من فقدان الذات، الإحساس بالتوحد مع الكون.”(ص 30) لذا فإنّ الشعائر الجماعيّة لها تأثير كبير في التناسق والتماسك الاجتماعي، وتؤدّي إلى حشد القوى وتمكِّن من الحصول على مكاسب من خلال التعاون. فهكذا يبدو أنّ هناك للتديّن وظيفة بيولوجيّة مفيدة هي تقوية المجتمع بإلزام أعضائه على العمل تُجاه أهداف مشتركة.

4- مكون الهويّة الشخصيّة:

يُحدِّد الانتماء الاجتماعي على نحوٍ ثابت الهويّة الشخصيّة، وسيرة حياة كلّ فرد، وانتماء الشخص إلى مجموعة مُعيّنة إنّما يَنْبني على مخزونها الثقافي خاصةً ما يتعلّق باللُّغة التي تُعتبر هي الأساس في تمييز جماعة بشريّة عن الأخرى. “لما كانت اللهجات تفيد كعلامات ثقافية وعرقية، فإن تعبير “نحن” هو أيضا مما يسهل إلى حد بالغ تمييزه عن الآخرين  حيث أنه يتمُّ تبادل المعرفة الاجتماعية، فإن كل مساهم في التبادل اللغوي يتم تنویره بالمعلومات عن الروابط والميول الاجتماعية لكل المساهمين الآخرين، هكذا يتم خلق شبكة اجتماعية مشتركة، ويترتب عليها أن كل الأعضاء في إحدى المجموعات الداخلية يلعبون أدوارهم على نفس المسرح، ويعتمد رفاههم وعدم رفاههم بطرائق مختلفة على رفاه وعدم رفاه الآخرين.(ص 31) بواسطة اندماج الفرد في تكامل داخل الأدوار الاجتماعيّة، وضمن التبادل اللُّغوي للمعرفة الاجتماعية، يُضيف المرء إلى هويّته الشخصيّة بُعداً اجتماعياً تُميِّزه ثقافة مشتركة تُنتجها الأساطير والقصص المشتركة والذكريات المشتركة والوقائع المشتركة تُفضي على التجمعات البشريّة هويّة اجتماعيّة، وتعمل على أن تُبقي المجموعة مُتماسكة معاً.

5- مُكوّن التواصل:

حفاظا على كيان المجموعات البشريّة فإنّ كلّ مجموعة تُنْشئ معايير صارمة، وظيفتها الأساسيّة هي ربط أعضائها في تحالف اجتماعي والتزامهم بالشعور بأنّهم معاً، إلاّ أنّه لا يخلو من أن يكون هناك خطر يُهدّد تضامن المجموعة وهو استخدام الانتماء للحصول على فوائد شخصيّة، وهذا ما عبّر عنه إكارت بمفهوم (الراكب المجاني). لدفع هذا الخطر على أعضاء المجموعة أن يُعبِّروا عن اندماجهم أخلاقياً بواسطة العلاقات الأمينة، ويتمّ انجاز هذه الوظيفة بواسطة الشعائر والاحتفالات والتابوهات. “الدّين يقدم عادة لنسج التواصل عن طريق العلامات الأمينة. تخدم الاحتفاليات والتابوهات في إرساء ما هو جدير بالاعتماد عليه داخل مجموعة أخلاقية داخلية ويكون ذلك بالكامل بمنطق من تطور العلامات. الدّين هكذا يوفر ميزة بيولوجية أخرى، فهو يحارب مشكلة (الراكب المجاني) في المجتمعات ذات المخاطر المشتركة بأن يفرض الالتزام بالأمانة في التواصل” (ص 32)

6- مُكوِّن الأخلاق:

تتعرّض المعايير الأخلاقيّة داخل المجموعة لمخاطر تخريبها انتهازياً، عندما يقف الاهتمام بالذات على المدى القصير في طريق المكاسب التي تتمّ من التعاون على المدى البعيد، لذا فعلى المعايير الأخلاقيّة أن تتغلّب على الحوافز من أجل الصالح الذاتي على المدى القصير، بحيث يُمكن تحقُّق الصالح الذاتي على المدى البعيد. لذا فلابدّ أن تكون هناك عوامل تحكُّم اجتماعيّة يُضبط من خلالها الانتهازيين وكاسري القواعد كما يُمكن مُعاقبتهم، وهذا ما يجعل السلوك اللاأخلاقي باهظ التكلفة وبالتالي يُقلِّل من وُقوعه، ويُعزِّز من قوّة المجموعة ويزيد من المكاسب على المدى الطويل من خلال التعاون. حسب إكارت فإنّ عوامل التحكُّم الاجتماعي لا تُؤدّي إلى تلاشي المشكلة بالكامل، لذا فهو يُرجع الحل الكامل إلى الضمير الحي الذي يتمّ إعداده دينياً.” ربما يكون التدين قد تطور من أجل التعامل مع تلك المشكلة، أي ما يسمی مشكلة المرتبة الثانية من (الراكب المجاني). عندما تحظر الآلهة، والأرواح والأسلاف السلوك الزائف، فإن أعضاء المجموعة يتحررون من تكاليف استعراض حالهم للحكم عليه. بدلاً من ذلك فإن عقوبة كسر القواعد تُجعل شأنا داخليا بالتوصل إلى التوافق مع المعايير من خلال ضمير حي تم إعداده دینیا.”(ص 31) تُدعِّم دراسة جونسون هذا الفرض، حيث تمكّن من أن يُبيّن أنّه كلّما زادت قوّة تعاون أفراد إحدى المجموعات أحدهم مع الآخر زاد وُضوح الأفكار المحليّة عمّا تُكوِّنه الآلهة التي ترى كلّ شيء وتعرف كلّ شيء وتوقع العقوبات، تلك الآلهة التي تُوجد في كلّ مكان وزمان.”  هذه المعاني التي يحملها الفرد تُفسّر كيف أمكن للضمير أن يتطوّر بالفعل كمثال مُنظِّم للأخلاق، لماذا ينبغي لأحدهم أن يخضع تطوعياً لما يُمليه أحد الضمائر؟ “إلاّ أنّه بصرف النظر عن هذه القضايا بتفاصيلها، فإنّ الأمر يبدو حقاً وكأنّ التديُّن يُساعد على التغلّب على مُشكلة المرتبة الثانية (للراكب المجاني). العقوبات على إساءة السلوك أخلاقياً تُجعل داخلية باستغلال أداء أحد الضمائر” (ص 32)

الخواص السبع الرئيسة للدّين والتديُّن:

إنّه من المهمِّ جدّاً بالنسبة للدراسة العلمية أن تمتلك تعريفاً واضحاً لظاهرة يشملها البحث، والدّين كظاهرة اجتماعية معقّدة، لم يتّفق المنظِّرون لوضع تعريف مُوحّد لها، نظراً لاختلافه لدى كل الجماعات البدائية والجماعات التي تعتنق الديانات السماويّة ولاختلاف طبيعته من شخص لآخر.” الدين مثل مفاهيم كثيرة أخرى هو مصطلح كالمظلة، يضمّ معاً معاني مختلفة على أساس التشابه العائلي، وبالتالي فقد يكون مما يكفينا أن نستخدم تعريفا عمليا جموعيا، يغطي كلا من الجوانب الموضوعية والوظيفية. طرح البعض أن هناك سبع خصائص رئيسية للدين:

1- التسامی: الاعتقاد في وجود قوة (أو قوی) خارجية – أو فوق طبيعية.

2 – علاقات مطلقة: الإحساس بالارتباط، والاتصال، والاعتماد والالتزام وكذلك أيضا الشعور بهدف ومعنی مطلق بالنسبة لكل من الأفراد والمجتمعات أو العالم كله.

3- الصوفية: ممارسة ما هو مقدس؛ شعور بالتوحد مع هذه القوة أو حتى مع كل شيء.

 4 – الأسطورة: تفسير العالم وإضفاء الشرعية عليه وتقدير قيمته، بما يمتد حتى إلى وعود الخلاص.

5- الأخلاقيات: التبرير المتعالي للقيم (القواعد والممنوعات) لإرشاد أفكار وسلوك الأفراد.

6- الشعائر: أشياء وتصرفات رمزية (احتفاليات)، مثلا القدرة على شفاء المرضى أو تفادي الشر، أو إضفاء القدسية، أو وضع العلامات التكريس الاستهلال والمرور إلى مراحل جديدة.

 7- المجتمع: الارتباط الاجتماعي عن طريق ما هو مشترك ومتوارث من نظام المعتقدات، و ممارسة هذه المعتقدات والتعبير عنها، وتدريسها والترويج لهاء وتفسيرها وتأکیدها، بما يبلغ الذروة في منظمات وأشكال مؤسساتية” (ص46)

تُساعد هذه الخصائص على فكِّ الغموض عن الدّين والتديّن، خاصة عندما يكون الإيمان مُرتبط بوجود كائنات مُتعاليّة مثل الآلهة أو الأرواح أو العفاريت، ويصدق هذا حتّى في الديانة البوذيّة مع أنّ مبادئها لا تطرح وُجود هذه الكائنات. فمن المهمّ الاحتفاظ بهذه الخصائص عند كلِّ بحث عن الدّين بالمنهجية العلمية، “وذلك لأنّه بدون ذلك ستوجد أوجه للخلط بين الأمر، فيها بلبلة؛ هناك أنواع علمانية من الدوغما، والإيمان، وأشكال من علاقات مطلقة (كما مثلا في الأيديولوجيات العرقية)، وخبرات من النشوة (كما مثلا بتأثير من مخدر)، وشعائر (كما مثلا في رسامة الشباب أو الأعلام)، ومجتمعات (ابتداء من الأحزاب حتّى نوادي المتعصبين لكرة القدم)، ونظمها القيميّة، وبالتالي فإن الدّين ليس مما يتوافق مع المذهب الطبیعانی – وإن كان الأمر بالطبع أن ليس كل ما هو مفاد للطبیعانية يكون دينيا” ص (ص47)

باعتبار أن الدّين ظاهرة عابرة لكلّ الثقافات، فهو على غير شكل مُوحّد بين تلك الثقافات، وبالتبع ليس من المحكوم أن تكون الخصائص السبع كلّها بنفس الدرجة من الأهميّة كما أنّها لا تتحقّق في كلِّ دين وقد لا تكون كاملة ولكنّها مع ذلك كافية من ناحية معظم الأهداف العملية.

——————————————————

(*)- إكارت فولاند و وولف شيفنهوف، التطوّر البيولوجي للعقل والسلوك الدّينيين، ترجمة: مصطفى إبراهيم فهمي، المركز القومي للترجمة، القاهرة، 2015، العنوان الأصلي للكتاب (The Biological Evolution of Religious Mind and Behavior)

(**)- الفصل الأول بعنوان: “تقييم الوضع التطوري للدين والنزعة الدينية” ممتد من الصفحة 21 إلى الصفحة 42.

 (1) –  ماستر في علم الاجتماع من جامعة غرداية

(2)- نص هذا الملخّص من مخرجات “منتدى مسالك المعرفة” الذي يعنى بمتابعة التطورات الحاصلة على مستوى الفكر العلمي الإنساني، بالتعريف بها ونشرها أولا ثم محاولة استثمارها داخل المنظومة الثقافية والحضارية وطنيا وإقليميا وكونيا. المنتدى تحت إشراف الدكتور محمد عبد النور.

شملت الملخّصات المقدمة عدّة كتب مرجعية في الفكر المنظوماتي والحيوي حديثة الصدور وكذا حديثة الترجمة، سنعرض لترجمات بعض من فصولها تباعا في ركن “مسالك المعرفة” من هذا الموقع.

 

داخل مسالك المعرفة
مارس 2021
د ن ث أرب خ ج س
 123456
78910111213
14151617181920
21222324252627
28293031  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

037881
اليوم : 17
الأمس : 72
هذا الشهر : 789
هذا العام : 5653
مشاهدات اليوم : 59
مجموع المشاهدات : 140530
المتواجدون الآن : 1