السنة من منظور ظاهراتي

محاولة في توظيف العلوم الاجتماعية لفهم الدين

إن بحث مكانة السنة يرتبط أساسا باستيعابها كمفهوم يتناسب مع ما بلغته العلوم الاجتماعية والعلوم التأويلية من سعي إلى الربط بين الفهم الذاتي للأشياء وحقيقتها، لذلك فإن السؤال الألح هنا هو عن مدى إمكان تحمّل السنة لكل هذا “الاختزال الظواهري” الذي بلغته تلك العلوم في سبيل فهم الحقيقة إلى درجة اعتبارها الحقائق مجرد وعي ذاتي بأفكار تسبح في فلك الوجود دون أية مضامين ثابتة، وهذا يعني أن مقاومة المفهوم من أجل أن يحظى بالاعتراف الظاهراتي يفرض عليه أن يكون حقيقة جوهرية ليس في الدين فقط بل في الوجود ذاته! فإلى أي حدٍّ هي السنة مفهوم وجودي؟

بادي الرأي أنها عنصر مكوِّن للدين باعتبارها التنزيل النموذجي للوحي على الواقع التاريخي للحظة النزول، هكذا ينتج عن ذلك حقيقتان: أ- أن السنة بوصفها مفهوما ينتمي إلى أحد العناصر الوجودية الرئيسة هو الدين الذي يبتلع كل ما هو وحي بما فيه القرآن ذاته، ب- أن المجال الممكن الوحيد الذي تصير فيه السنة أمرا وجوديا هو الدين نفسه، فحتى تكون السنة أمرا وجوديا لابد وأن يقوم عليها الدين باعتبارها آلية ضرورية لتنزيل قيم الدين على الواقع، وأن الباقي كله ليس إلا تفصيلات.

ولما تبين أن السنة ليست إلا آلية لتنزيل قيم الدين على الواقع فإن الارتباط بنموذج الشخص الصادرة عنه – وهو هنا النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم سواء في أقواله أو أفعاله أو تقريراته -يغدو مجرّد “معرفة تاريخية” تتفاصل عن مفهوم الفاعلية بما هي تحقيق لقيم الدين على الواقع، والسؤال الوجيه هنا يأتي بصدد دور تلك المعرفة التاريخية، أعني أهمية ودور السنة بعد أن تتحول إلى مجرّد كائن ذهني أصم لا يرتبط بالعمل، فهبنا سلمنا بذلك واعتقدنا أن الأمر مرتبط بمجرد ذاكرة تاريخية فأين بقية الملكات التي تحيل أي معرفة إلى حقيقة آنية بفعل التفاعل مع بقية الملكات الأخرى للنفس كالمُخَيِّلة مثلا؟

الواقع الذي لا يُختلف فيه هو أن السنة تبقى إرثا مباحا للجميع مهما تم السعي لتقليمه أو حتى الحجر عليه أو إزاحته، فهي أولا تتفاعل بالضرورة كروح متخفية في النفوس مهما تمت محاولة تحييدها من المناهج والخطاب مثلا فإنها ستبقى حاضرة لا محالة في الوعي تعتمل فيها إن بالسلب أو بالإيجاب مادمنا قد اتفقنا بحقيقتها الوجودية بوصفها الآلية اللازمة لتنزيل قيم الوحي على الواقع، كما كنا عزلناها جدلا حتى عن شخص النبي ضمن منطق التأبيخ (من الأُبُّوخَة) الظواهري.

كما أنها من حيث التأثير فهي لا تختلف عن إمكان تأثير أي تصور في صياغة مخيلتنا ومفاهيمنا وأوهامنا، سواء الثقافة المعاصرة حيث صار ما يعبر عن السنة موضوعات رئيسة أو حتى جزئية، أو ثقافة الواقع كما تتبدى في مشاهد القصاص من مرتكبي الخيانات والفواحش في ظل الخليفة صاحب الزمان البغدادي، فالسنة اليوم كتراث نصي لم يعد مقتصرا وجودها على قاعات الدرس الأكاديمي بل هي حقائق متداولة وسارية في مناهج التعليم الديني للناشئة وكذا في الخطاب الديني اليومي في المساجد والتلفزات بل وحتى على سبيل الاستدلال ودعم الأقوال فضلا عن المظاهر الجلية التي جعلت من السنة مصدر تشريع سلوكا ومظهرا.

فإذا كانت الحال هذه فإننا نكون قد سلمنا بوجوديات فرعية ذات فاعلية غير ممكنة التحديد لعدم خضوعها لقوانين سببية، وهذا يعني أن الاستماتة في إنكار السنة تكون غير ذات معنى إلا ضمن منطق دنكخوتي لا يبارز أعداء حسيين موصوفين بقدر ما يصارع أوهاما في العرف السببي الذي يحكم الدناخيت، بينما هي حقائق متفلتة من الإدراك السببي، وأن إدراك وجودها أولا وثم طبيعتها يقتضي خروجا من المنطق السببي الصارم، وطبعا ليس إلى فوضوية لكن إلى منطق السببية الممكنة التي تتقفى الآثار وتحاول تقديم خطاطات بتواضع ولا تجازف بإسقاط السببية الصارمة على دين هو في جوهره يناقضها، فهل أدرك خصوم السنة أنهم يتجاسرون ليس فقط على سنة شخص معظّم، بل على سُنَّة إله أعظم.

داخل المقالات
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029159
اليوم : 42
الأمس : 120
هذا الشهر : 1530
هذا العام : 19449
مشاهدات اليوم : 413
مجموع المشاهدات : 110085
المتواجدون الآن : 2