“الانقطاع المؤقت” بوصفه فلسفة للعبادة في الإسلام.

خلافا للدأب الكهنوتي القائم على الرّقي الروحي والأخلاقي بالتمرّغ في الأوحال وتعذيب النفس إلى ما لانهاية، فإن الأمر قائم في الإسلام على لحظات انقطاع مؤقتة عن متع الحياة ورغباتها، والفارق الشاسع مع التقليد الكهنوتي يكمن في ما بعد لحظة الانقطاع، فإذا كان التقليد المسيحي يقتطع جزءا من الرهبان للتضحية بهم لينوبوا عن البقية كلهم في الانقطاع عن ملذات الدنيا طول الحياة دون أية عودة إليها، فإن السنة الإسلامية تقتطع من الجميع لحظات انقطاع عن الحياة بغاية العودة إليها ثانية بشوق أكبر وفرح أشد (فرحة حين الإفطار مثلا).

فالحرمان المستمر غير مرغوب (حظر الوصال في الصيام مثلا وكذا إنكار النبي على الثلاثة الذين أتوه ليخبروه بعزمهم على قيام الليل وصيام الدهروالعزوف عن الزواج)، إنما الحرمان في الإسلام مطلوب لما بعد الحرمان (رمضان لما بعد رمضان)، فجلي أن الانقطاع عن الأكل والشرب والجنس إنما لتحرير المسلم من الاستهلاك البهيمي على مستوى الجسد.
ولابد هنا من الإشارة أيضا إلى أن الحرمان هنا يأخذ معنى خاصا، وهذا الذي قد تشرحه الآية بشكل جيد “إن مع العسر يسرا” فالحرمان لا شك عسر طبيعي (جهد وجهاد) لكنه في الآن ذاته يسر، إذ داخل العسر يوجد اليسر في الآن ذاته، وكذلك العبادة هي عسر يتخلله يسر، واليسر هنا الخير المصاحب والبركة بله وحتى اللذة الروحية، على أنها لا تنقلب لتكون تلذذا بحرمان النفس، إنما استمتاع بتذكر المعاني التي يوحي بها الحرمان.
وبالقياس على رمضان أمكننا أن نفهم أن كل عبادة على أنها انقطاع عن الاستهلاك، ذلك أن الصلاة المفروضة يوميا خمس مرات إنما هي انقطاع عن استهلاك الزمن ذي الديمومة المستمرة، والعودة إليه بشعور أشدّ وأوعى من قبل، أما الزكاة فهي أجلى لكونها اقتطاعا ماديا مباشرا من المال، فهو اقتطاع يدفع معطي الزكاة إلى الشعور بقيمة ما يملكه من مال بعد دفعه الزكاة.
وعلى ذلك أيضا أمكننا أن نفهم أيضا المغزى الجامع المانع لـ”المحرّمات” في الشريعة، فإذا كانت العبادة قطعا لاستهلاك المباح، فإن المحرمات الدائمة (مثل الخمر والربا والزنا) إنما تأتي من منظورالفطرة حفاظا على طيبات الدار الآخرة (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا)، فالمحرمات الدائمة قطع لغير المباح، وهنا يمكن إمعان النظر على سبيل التمييز بين طبيعة المباح (الممنوع مؤقتا) وغير المباح (الممنوع دائما) في الإسلام…
ختاما، إذا كان الأمر على هذا النحو أمكننا أن نتفهم النعي الذي يلزمه الدعاة حين أزوف رمضان لما يحصل بعد رمضان من عزوف عن أفضال الطاعات، بل وحتى نعي وإنكار لما يحصل في لياليه وأيامه من حيوية وأنشطة غير تعبدية، نتفهمه على أنه سعي لسحب رمضان على جميع السنة، وأن يكون رمضان رهبنة زمنية، وهذا مما يخالف مقاصد الصيام ورمضان ومما لم ينزل به أمر؛ رمضان جُعل لتجديد الإحساس بالحياة وشحن المسلم للإقبال عليها بكل المعاني… بله وحتى تمني أزوفه إنما هو دليل على شوق إلى الدخول في الحياة من جديد وبنفس جديد يغرسها رمضان نفسه في النفوس، فنتائج رمضان لما بعد رمضان ونتائج الصيام لمابعد الإفطار هي في النهاية عفوية وليست تكلفا.

داخل المقالات
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029159
اليوم : 42
الأمس : 120
هذا الشهر : 1530
هذا العام : 19449
مشاهدات اليوم : 453
مجموع المشاهدات : 110125
المتواجدون الآن : 1