المقوّمات النموذجية لمنظومة التربية الوطنية والتعليم العالي في الجزائر

كيف يكون التربية والتعليم الرسميين ناجحين من اليوم الأول للإبتدائي إلى غاية يوم التخرج من الجامعة؟

يقوم التكوين العلمي على هدف أساسي عام هو تدريس الناشئة من أدنى مستويات المعرفة العلمية والقيم الاجتماعية إلى أعلاها، فكيف تكون الطريقة المثلى في تحقيق أفضل تكوين للفرد داخل المنظومتين التربوية والبحثية؟

بدايةً، سأخصص هذا المقال للكلام في منظومتي التربية الوطنية (التعليم الأساسي) والتعليم العالي (التكوين الجامعي) باعتبارهما وحدة واحدة لأن الفواصل بينهما –على الأقل كما يجب أن يكون الأمر- ليست إلا تنظيمية بينما الواجب أن تعبر كلا المنظومتين عن عقل واحد، عقل وطني عفوي، وعقل تنفيذي مخطط، أعني أن يقوم السياسي بنقل العقل الجمعي الوطني الغُفل إلى تنفيذ سياسي مخطط يشمل كلا من منظومتي وزارة التربية الوطنية ووزارة التعليم العالي (مضافا إليهما كلام من التكوين المهني والتعليم الديني كما سأشرح لاحقا)؛ لذلك أعيد صياغة سؤال البداية كما يلي: كيف يمكن نقل الفرد من درجة الأمية المطلقة إلى درجة الاجتهاد المطلق؟

إن تعليم الناشئة (=الولدان بلغة ابن اخلدون) هو تحضير لهم لتحمل أعباء المستقبل، ليس مستقبلهم الفردي فحسب بل تحمل أعباء تسيير دولة تقع بين دول أخرى، لها طموحاتها وغاياتها، وبالتالي أولى أولويات المنظومة التكوينية لكل بلد أن تضع ذلك في أذهان ناشئتها هذه الحقيقة كل حسب مستواه باعتبارها تحميلا للأجيال لمسؤولياتها، وأهم ما في كل ذلك هو تحقيق تكوين متدرج مع مدارك الناشئة ينقلهم من الأمية التامة إلى درجة الوعي بذروة القضايا العلمية الراهنة والحارقة كل في تخصصه، ذلك أن حساسية الموضوع تكمن في مدخلين هما:

1- أن الناشئة لا يعون إلا وقد فات من عمرهم ما لا يمكن تعويضه فرديا، وعلى أساس من الشعور بكفاءة المكونين والبرامج سينتج موقفهم نحو الحياة والمجتمع.

2- أن على المقرّر أن يقدم مضامين تربوية مدروسة بدقة وعناية يشترك في وضعها نفسانيون وبيداغوجيون أكفاء.

لكن وقبل المضي في الجواب عن سؤال البداية، لابد من الوقوف على المقومات الشكلية للتربية والتعليم من خلال النموذج الجزائري لنستكشف أهمية وحساسية هذا القطاع الأساسي للدولة والمجتمع، حيث وأولا نجد أن معظم أبناء الوطن يتلقون التعليم الأساسي إجباريا، بما يجعل كل جيل يمر حتما بمؤسسات التكوين الأساسي ويمر أكثر من نصفهم إلى مؤسسة التعليم العالي الجامعية، فإذا أحصينا وجدنا أن سنوات التكوين الاساسي تتوزع كالآتي وفقا لآخر تعديل في المنظومة التربوية: 5 سنوات للإعدادي، 4 سنوات للإعدادي، 3 سنوات للثانوي، وتلك 12 سنة كاملة، وإذا أضفنا إليها 3 سنوات لمرحلة الإجازة (الليسانس) وسنتين للماستر بلغنا 16 سنة كاملة يستغرقها التكوين من حياة الفرد، وأخيرا 4 سنوات المخصصة لاستكمال الدكتوراه، فيجد الفرد نفسه قد قضى حوالي ربع عمره في التكوين العلمي.

ولست أستكثر على العلم شيئا لكني أحصي لأخرج بالاستنتاج الآتي: إذا كانت الغالبية العظمى من المتعلمين يتراوح عدد سنوات تعلمهم الفعلي بين 12 سنة و15 سنة أي بين السنة النهائية في التعليم الأساسي وسنة التخرج من مرحلة الليسانس، استخلصنا أن مؤسسات قطاع التعليم هي أكبر مؤسسة من حيث استيعابها لعدد أفراد الشعب ديمغرافيا حيث لا يقل استيعابها عن نسبة 90 بالمائة من أبناء الشعب على الأقل، وكذا من حيث عدد السنوات من حيث النسبة المئوية ومقارنة باستغراق باقي القطاعات ومؤسساتها لحجم أبناء الشعب ومدة انتمائهم إليها.

فيكفي إذن أن نقف على تلك الحقيقة لندرك جسامة المهمة التي يضطلع بها المشرفون على القطاع، بداية من المشرع الأول “الوزير ” وصولا إلى المنفّذ الأول “المعلّم”، فمهمتهما فهلا جسيمة وخطيرة، حيث الأول يكون المسؤول عن طبيعة البرامج وتهيئة المحيط والظرف الأتم للمعلم والأستاذ الذي يقف في الخط الأمامي المباشر للتربية والتعليم.

على أن لا يمكن إغفال نقطة البداية في كل الأمر وهو توفّر الإرادة الحقيقية لرعاية الأجيال الأهلية الرعاية الصادقة قبل الكلام عن أي إمكانيات، فصدق المسعى يعني تسخير كل الإمكانيات الرمزية والمعنوية قبل الحديث عن أي لوجستيك مادي، خاصة في دولة زاخرة بالثروات بالطبيعية، فحتى لوتأخرت صناعيا واقتصاديا، أمكن لها أن تبني صرحا تربويا وتقاليد علمية راسخة عبر الأجيال لما ستشكل لها مداخيل النفط والغاز من عوض عن التخلف المادي، أعني أنه وفي دولة كالجزائر لا يرتبط النجاح الاقتصادي والصناعي بالنجاح العلمي والتربوي، على أن حقيقة الإرادة تجعلهما يخفقان معا أو ينهضان معا.

وبالعود إلى صميم الموضوع نجد أن الغاية العظمى من النظامين التعليميين الأساسي والجامعي تكمن في تحقيق دائرة متكاملة حيث السعي من أجل تحقيق عملية تمرير ناجحة للناشئة من الطور الأساسي إلى الطور الجامعي، نظرا للاختلاف الجوهري في المنهج التعليمي في كلا الطورين، وأن تكامل الدائرة يحصل من جهتين:

1- جهة أن على التعليم الأساسي ضمان تكوين متين يكفل تكيف جيد مع طبيعة التعليم العالي سواء من حيث المعارف أو من حيث الانسجام مع النمط الجديد.

2- جهة أن كل الطاقم التربوي هو من مخرجات التعليم الجامعي الذي يجب أن يحسن التكوين أيضا لأن منه سيكون الجهاز التربوي من المعلم إلى الوزير كتغذية راجعة.

إن شرط تحقيق تكامل الدائرة التكوينية وكذا شرط المرور السلس من مؤسسات التربية إلى مؤسسات التعليم العالي لا يمكنه أن يتحقق إلا تأسيسا على المخطط التالي وإجادة تنفيذه:

أولا في مجال التربية الوطنية: أن يكون الهدف هو إعداد الناشئة لاقتحام مجالي العلم والعمل من جانبين:

أ- تلقين مبادئ المعرفة التي يمكن جمعها حصرا في اللغات والرياضيات، إذ هما لوحدهما يكفيان لبناء الشخصية العلمية المتينة التكوين.

فاللغات هي: لغة أولى وطنية وأخرى ثانية إجبارية وثالثة اختيارية بحيث يجد الولد نفسه في مرحلة متقدّمة من أنه أتقن فنا يصله بثقافات عالمية أولا وييسر له الاطلاع على العلوم عموما وتخصصه خصوصا، كما أن اللغة في حد ذاته بنحوها وأسلوبها تمد وعي الطلاب بملكة منطقية خفية، أي أنه يدرس منذ السنة الأولى المنطق في قالب اللغة.

أما الرياضيات فيجد الولد نفسه في مرحلة ما قد أتقن التجريد الذي يختصر مسافات وجهدا كبيرين في تحصيل المعرفة والتصورات ويوقفه على الاستثمار الأمثل لملكة الإنسان الأولى: العقل، المبني على الرمز التجريدي للأشياء جبرا وهندسة.

ب- تلقين قيم المعرفة التي يمكن جمعها حصرا في التربيتين المدنية والدينية.

فالتربية المدنية تذكي في روح المتعلم فن الاتصال والتواصل الأدبيين بكل أنواعهما: تواصل الصغير مع أقرانه ومع الكبار، المسوؤل مع البقية، الذكور مع الإناث إلى غير ذلك من أساليب التواصل المتحضر الذي يلغي المسافات السلوكية بين أبناء الوطن الواحد.

أما التربية الدينية فهي تفتح أفق الإنسان على جوهر الوجود والحياة وتنبهه إلى ضرورة التحرر من ضيق العقل عندما يبلغ نهاياته إلى تفاسيح الروح، وأعني بذلك أن التربية الدينية تورّث الناشئة أفق التحرر من الحتميات وتعلمه أنه ليس كائنا حتميا فمهما ضاقت به الحتميات يكون باستطاعته تجاوز الحدود انطلاقا من مداركه الشعورية، كما تحيله إلى الذات الإلهية بوصفه الملاذ الأأمن الذي يضمن حريتنا رغم لجوئنا إليه بعد الحاجة، وأعني بذلك أن التربية الدينية بإحالتها إلى مفهوم التوكل بعد تمام الأسباب كتصور إسلامي خالص، وهو المفهوم الوحيد الذي يضمن للإنسان أن يبقى حرا لأن اللجوء إلى أي مخلوق يورث الذل والخضوع، إلا اللجوء إلى الله.

ثانيا في مجال التعليم العالي: أن يكون الهدف هو إعداد الشباب لاقتحام مجالي العلم والعمل من جانبين:

أ- تلقين مبادئ البحث العلمي التي يمكن جمعها حصرا في المنطق الصوري والمنهج العلمي، إذ هما لوحدهما يكفيان لبناء الشخصية العلمية المتينة التكوين.

فالمنطق هو بمثابة تعليم اللغة لكن في صورة أعلى تجريدا لكونه خلو من المضامين وهو يناسب مقدرة سن الشباب، والمنطق هو تصحيح التصورات استنادا إلى مبادئ المنطق الأرسطي الثلاث: الهوية، عدم التناقض، الثالث المرفوع، مضافا إليها ما نحله أستاذنا أبويعرب المرزوقي من مبدأي: التحقيق والترجيح، باعتبارهما آلياتان حركيتان للمنطق بعكس الثلاث الأولى، ذلك أن استهداء الطلاّب بها والتدرب عليها يورث فيهم التفكير السديد الذي يبتعد عن التخبيص العامي في المناقشات العامة فضلا عن تقويمها للأسلوب العلمي.

أما المنهج العلمي فهو كاللغة إلى المنطق، وأعني بذلك أن تدريس المناهج العلمية يتم عبر نماذج مضمونية متحققة أثبتت نجاعتها، لكن وحين تدرس وكأنها قواعد ثابتة للبحث العلمي تفقد مقصدها التبليغي وتصبح تدرس لذاتها ومن أجل أن يكررها الطالب ويرددها مثل المحفوظات، بينما المطلوب هو تدريسها كنماذج تاريخية نسبية ممكنة التعديل والإصلاح والتصرف فيها، وأكثر من ذلك أنه اجتهاد صرف من أصحابها، بما يزرع حسا اجتهاديا لدى الطالب يدرك من خلالها أن العلم إنما هو في الواقع تاريخ للتجارب العلمية الناجحة، وأنه بإمكانه أن يفعل ذلك.

ب- تلقين قيم البحث العلمي التي يمكن جمعها حصرا في فلسفتي العلم والدين.

ففلسفة العلم تذكي في روح الطلاب فقه العلم كيف ابتدأ؟ ولماذا يمارس؟ وأن تحديد بداية العلم وغايته هو اجتهادي صرف وليست مسائل نقلية تلقّن فتحفظ كما يعتقد أغلب الطلاب خاصة منهم طلاب علوم المادة والأحياء الذين يغيب عنهم ويُغيَّب عنهم تاريخ علمهم وفلسفته فتجدهم تقنيون لاهم لهم إلى الوظيفة حتى وإن أحبوا علومهم لذاتها فتجدهم لايبرحون المتعة التجريبية إلى متعة المساءلة الظاهراتية والميتافيزيقية للحقائق العلمية بما يجعلهم في النهاية واعين تماما بالتداعيات الإنسانية والسياسية لبحوثهم التي يظنونها حيادية فيشعروا بضرورة وضع خبراتهم وكفاءاتهم العلمية في يد أمينة لئلا يكون العائد المادي المعيار الوحيد لاختيار مناصبهم وبلدان إقامتهم وعملهم

أما فلسفة الدين فترزع في نفس المتعلمين الطلاب الضمير العلمي وتفهمهم أن الإيمان الديني لا يضاد التقدّم المستمر واللانهائي للعلوم ، ويدركوا أن الكثير من افتراضاتهم العلمية قد توحي بها لفظة من القرآن، أو تؤكد نتيجة علمية تم التوصل إليها، وأن فلسفة الدين تكون أيضا للتوصل إلى الثراء الذي يختزنه الفكر الديني الذي يضفي المعنى على مقدمات البحث ونتائجه وعلى ذات الباحث أيضا بعكس الملحد الذي يجد في كل جديد يستكشفه العقل مجرد إضافة إلى تراث الإنسان العلمي وليس بهجة تتلون بها نفس الباحث المؤمن المدرك أن ما توصل إليه كان بمقدار يخص شخصه فيتفاعل معه بكل كيانه.

أخيرا، فإن تركيز العناية بالعلوم القليلة التي وردت في أساسيات مناهج التعليم كافية لتنشئة جيل يغرس في ضميره حب الإبداع ونسبته إلى خالق أعلى بما يريح الضمير ، ويبث يقظة في نفس الباحث ليورثه ملكة الحكم بالمعيار ويبعده عن اللاأدرية القاضية على معاني الحياة ودلالتها، وفي النهاية تكون كفيلة بإنضاج شخصية فردية كفؤة في مجالي العلم والعمل، إلى أي المجالين اتجههت آتت أكلها، على أن تؤدي المنظمومتان إلى إفراز نخبة قيادية ذات حس اجتهادي في العلم وذات حس إلهامي في العمل، بينما تغدو الغالبية العظمى في منزلة الوسط تساهم في إحياء الأمة أولا، والتأسيس لنهضتها ثانيا.

داخل المقالات
ديسمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

030104
اليوم : 14
الأمس : 83
هذا الشهر : 364
هذا العام : 20394
مشاهدات اليوم : 41
مجموع المشاهدات : 112387
المتواجدون الآن : 1