النموذج الاجتهادي عند ابن خلدون في ضوء مبادئ المعرفة الحديثة

استند منهج ابن خلدون الذي تضمنته مقدّمتة على قضيتين رئيستين الأولى صريحة والثانية ضمنية، تمثلت الأولى في إعلانه استحداث علم العمران البشري والاجتماع الإنساني، والثانية هي توظيفه لفكرة الكُلّي بوصفها الآلة الخفية التي شكلت الخلفية الضمنية لإبداع علمه. فقد كان علم عمران ابن خلدون ثمرة فرعية لفكرته عن الكُلي، ومن ثم كان العلم المحدث تعبيرا غير مباشر عنها وفي الوقت ذاته تجليا لفكر ابن خلدون الاجتهادي، فاقتضى البحث في منهج ابن خلدون إذن محاولة استكشاف مضمون فكرته عن الكلي(*).

و لما كان علم العمران علما بما هو جزئي ومتعدد ومتغير ولانهائي من الواقعات العمرانية، وكان التعبير عنها يحمل الصفات ذاتها، فكيف استطاع ابن خلدون أن يتجاوز “معضلة الإطلاق غير المستند إلى معيار” في إبداع علمه؟ والمقصود بالإطلاق مضاعف، فهو تجاوز البحث الميتافيزيقي غير المقيّد بظاهرات، وكذا وضعه لدراسة تلك الظاهرات ضوابط عقلية منطقية ومنهجية.

وجواب السؤال هو أن البحث عن معيار عقلي في دراسة وقائع العمران بوصفه استكشافا للثوابت العمرانية هو في جوهره بحث عن “منطق البحث في العمران”، أي قبل أن يخوض ابن خلدون في مسائل العمران حاول أولا تحديد منهج ذي مرجعية ذاتية تقوم على ثبات نسبي سعيا منه لتحقيق الغاية الرئيسة من ذلك وهو تحقيق فقه عميق بأحوال العمران، وذلك ما جعل من هذا المقال يقتصر على الجانب المنهجي فقط في علم العمران دون مضامينه التي تحتاج إلى دراسات وأبحاث طويلة وعميقة لمكاشفتها.

فما سنعرضه إذن يتعلق فقط بالخطة النظرية للعلم الجديد والتي سيقوم بتنفيذها في الأبواب الستة من المقدّمة والتي جاءت كلّها أبواب في مادة العمران وصورته: 1- في العمران البشري على الجملة، 2- في العمران البدوي والأمم الوحشية، 3- في الدولة العامة والملك والخلافة، 4- في البلدان والأمصار، 5- في المعاش ووجوهه، 6- في العلوم وأصنافها، لذلك سيكون المدخل الذي خصصه للباب الأول بعنوان “في طبيعة العمران” والمتعلق بالمبادئ المنهجية لعلمه، المضمون المحوري للمقال والتي اختصرناها إلى أربعة مبادئ أو ملكات أساسية تمثّل المسار الضروري في سبيل تحقيق فقه العمران، وبالنتيجة إدراكا لكلي ابن خلدون ومضمونه.

ولما كان سعينا هو استعادة المنهج الخلدوني راهنا بوصفه تحريرا لمكامن التجديد والإبداع (الاجتهاد) في العلوم التأويلية خاصة (العمران والشريعة) التي تقابل علوم التحليل (الرياضة والطبيعة)، اقتضى أن نعرض تلك المبادئ على الفكر الحديث تسليما بتواشج الفكر الإنساني والإسهام المركزي للحضارة الإسلامية فيه ماضيا ومستقبلا، لكن دون ادّعاء لاطلاع من سنوردهم من أعلام الفكر الغربي الحديث على مقدمة ابن خلدون، من رغم إمكان ذلك موضوعيا، وتسليما بأن لكل تفكير أصيل صدى في النفوس والعقول يتسرب إليها ومضا ومن دون شعور، أو في أقل الفروض أن التشارك في إدراك المعاني المنهجية والمنطقية التأسيسية دليل كفاءة أصحابها ورجاحة اجتهاداتهم.

وإن لم تكن الغاية أن نثبت تأثير الأقدم على الأحدث، لكن المسعى هو أن نبحث في إضافة أو إصلاح مفترض يمكن أن يسهم به الاجتهاد الخلدوني في علاج الانسدادت الحاصلة على مستوى الوعي إسلاميا وكونيا، ومن ثم كان المنهج إذن هو البحث في اختلاف النهايات الميتافيزيقية بحكم التخالف في المنهج والرؤية كما سنبين، وفي ذلك يأتي الاعتراف المدوي لأحد مفكري الغرب حيال ابن خلدون: كيف استطاع هذا التقي أن يأتي بكل هذا التفكير العقلي، والمحصّلة الممكنة إذن أن يسبق يكون كعب الأقدم أعلى من نظيره الأحدث وهذا ما يشكل الاستثناء في القاعدة، ذلك ما يكشف عن كنزلة ابن خلدون الكونية.

ومادام صميم هدفنا هو تقديم الوجه الإيجابي الإبداعي من العمران الخلدوني، نتوقف سريعا على الجانب السلبي النقدي منه لأهميته في تحديد منزلته إسلاميا كذلك، فواضح أن ابن خلدون سعى لتجاوز المنحى الروائي، السردي وغير التعليلي القائم على الوثوق، الذي كان مهيمنا على الثقافة الإسلامية، سواء من جهة تخصصه في التاريخ أو من جهة رواية الأخبار الشرعية ويقصد بها نصوص الدين، فضلا عما وسم الثقافة العربية عموما من نزوعها البلاغي القائم على الذوق الفني منذ العصر الجاهلي، الشعر خاصة.

نضيف إلى ذلك النص الخلدوني الصريح الوارد في المقدمة الذي يبين المكانة النقدية للعلم الجديد: “واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدث الصنعة غريب النزعة (إلى قوله) وليس من علم الخطابة الذي هو أحد العلوم المنطقية، فإن موضوع الخطابة إنما هو الأقوال المقنعة النافعة في استمالة الجمهور إلى رأي أو صدهم عنه، ولا هو أيضا من علم السياسية المدنية إذ السياسة المدنية هي تدبير المنزل أو المدينة بما يجب بمقتضى الأخلاق والحكمة”.

فنمرّ إذن إلى بيان المبادئ المنهجية أو الملكات المطلوبة في ممارسة علم العمران التي على الباحث فيه أن يحصّلها تحصيلا وهي كما يلي:

أولا: ملكة الحياد أو الحياد القيمي بلغة ماكس فيبر (Axiologic Neutrality )

ثانيا: ملكة الشك أو الشك المنهجي بلغة رينيه ديكارت (Methodical Dubt)

ثالثا: ملكة النقد أو ملكة الحكم بلغة إيمانويل كانط (Critical Faculity)

رابعا: ملكة الاستقراء أو البحث التجريبي بلغة فرنسيس بيكون (Inducation)

ونعتبر الأخيرة محصّلة لما تقدّم عليها من ملكات بوصفه الحل الخلدوني للمفارقة التي يطرحها الفكر المعاصر لكونه توسط منهجيا وتاريخيا لأهم اتجاهين في الفكر الغربي هما المثالية ذات الأصل المثالي والذرائعية ذات النهاية السكسونية.

ملكة الحياد: باعتبارها الجانب المقابل لطبيعة التحيز عند الإنسان والذي يتحقق بالتمرن عليه باعتباره توجيها للعقل من أجل التعمق في تفاصيل الظاهرات المدروسة، مفادها هو كبح النفس عن إطلاق الأحكام المتسرعة بغرض التثبت والتمحيص، أما محصّلها الأخلاقي فهو “النزاهة الفكرية”، وهي بلغة التجريب العلمي سعي لتحقيق “الاستقراء التام”.

أما مضمون التثبّت فهو تقليب النظر في موضوع الدراسة على وجوهه للتوصل إلى القوانين التي تحكمه، فالحياد ملكة ذات طبيعة عقلية محضة مفادها استبدال الافتراضات المسبقة، التي تكون بطبيعتها غائمة وعائمة، بقواعد منطقية ومنهجية مجردة، ذلك الذي عبر عنه ابن خلدون بالتشيع للآراء ورأى أن علاجه يحصل بالتمحيص والتثبت وهو مفهوم خاص بوقائع العمران البشري خاصة لما يتضمنه من إمكان التحيز.

ملكة الشك: الشك أداة اختبار العقائد أو التصورات النظرية تحققا من صحتها (يقينيتها)، وذهب ديكارت إلى درجة القول بإنكار كل حقيقة بغرض اختبار المعتقد حتى يتبث يقينيته، الشك ملكة تساعد على التمهل والتريث كثيرا قبل تغيير المعتقدات والقناعات وهو في الوقت ذاته السبيل الوحيدة لمراجعتها أو تعميقها كل مرّة، كما أنها وسيلة للوعي بما تسرب إلى العقل دون تمحيص، بما يجعل من مفهومي الزمن والتدرّج أهم عنصرين شارطين لها.

جوهر الشك إذن هو “تعليق الأحكام” بخصوص المعتقدات والتصورات وهو ما عبر عنه ابن خلدون بالثقة في الناقل الذي قد يكون غير عاقل أيضا (من قبيل تسرب الأفكار عبر قناة اللاوعي)، ورأى أن علاجه يحصل بالجرح والتعديل الذي قد يطال غير العاقل أيضا.

ملكة النقد: هي رجع صدى للمعرفة الأولية بالموضوعات، أي أن النقد لا يكون ممكنا إلا بعد تحقق تصور عن الشيء، وهي تحصل بفعل التمييز بين العرضي والجوهري (التحليل والتركيب)، لذلك أحال كانط عمل العقل إلى الظواهر (Phénomène) لكونه غير قادر على تحقيق القضايا المجردة التي تتعالى عن الظهور (Noumène) – وهنا تحديدا نلتقي بفكرة البحث الرئيسة القائلة بأن علم عمران ابن خلدون كان تجليا لفكرته عن الكلي-.

وانطلاقا من الظواهر ودراستها نقديا يصبح إصدار الأحكام بما يضمن أن يكون للعقل الإنساني اتجاها (مقولات الجهة أو حركة الفكر) محددا قائما على الاستعمال الحر للعقل والعمل وملكة الحكم.

ملكة الاستقراء: هي محصّلة طبيعية لما تقدّم من ملكات أو هي ما يسميه ابن خلدون بـ”المعرفة بطبائع الأحوال في العمران”، بما يجعل من الاستقراء “أداة منهجية كلية” تحصل تبعا للأدوات الجزئية المتقدمة عليها، وذلك ما اتضح من خلال المقارنة التي أجريناها في الدراسة بين بيكون وابن خلدون.

فالاستقراء متعلّق بمراجعة المبادئ المنهجية العقلية في حد ذاتها فضلا عن ارتباطه بفقه ظواهر العمران بحيث يصبح تحليل مسائل العمران النظرية والعملية يجري مجرى العادة في عقل صاحبه، أي أن يتحول الاستقراء عند المجتهد إلى طبيعة ذاتية فيه وهو ما لا يحصل إلا بعد التمرين الطويل على الملكات المتقدّمة.

وملخص الاستقراء كمفهوم هو كل أداة معرفية أو منهجية تساعد على الإحاطة بموضوع الدراسة بما هو تعبير عن حركية تفاعلية بين الذات العاقلة وتجليات الخلق الطبيعي.

إن أول النتائج الحاصلة من التأسيس النظري لعلم العمران كما عرفناه من خلال الملكات الأربع هو أنها تفتح إمكان الوصول إلى إدراك الكلي بما هو جوهر أو نومان، لذلك كانت الملكات التي مررنا عليها بمثابة حيل لاقتحام أبوابه بوصفها أداة وسيطة بين عالمي النومان والفينومان أو الجواهر والأعراض.

أما لماذا الكلي كغاية وما أهميته؟ فقد عرّفنا الكلي بأنه الآلة الخفية (من حيث هي مضامين ميتافيزيقية تقع في تصرف الإنسان من خلال مداركه السامية) المتحكمة في تفكير الإنسان، فهي أعمق جهاز في التفكير يمكن أن يصل إليه الإدراك، ذلك أن إدراك الكلي بمضامينه يعني إدراكا لآليات صناعة الإدراك ذاته.

ومن ثم فإنه يتعذر تحقيق اجتهاد أصيل دون بلوغ منزلة الكلي صورة ومضمونا، وإلا فإنه سيبقى متراوحا في سطوح الظواهر التي ليست إلا تجليا لما هو أعمق منها في الجواهر التي لن تكون في متناول الساعي إلى الاجتهاد إلا بفعل المران والتمرس الطويلين، وهنا تحديدا نميز يصبح ممكنا التمييز بينما هو روح الدين الجوهرية وشريعته الظاهرية، هذا الفهم الذي يحيلنا إلى الكدح الأساسي لأبي حامد الغزالي في اعتباره أن السببية سواء كانت الطبيعة أو الشريعة إنما تقف في حدود الإمكان لا الضرورة، هذا الفهم الثوري للحقيقتين الدينية والطبيعية ستحرر الفكر الإسلامي من الارتهان بظواهر النصوص الأصلية فضلا التشبث بتأويلات المجتهدين التاريخية.

ذلك أن إدراك الكلي سيمكن العقل المسلم من اعتبار التأويلات التاريخية للدين مجرد تجليات للعمران كل في لحظته، وبالتالي يتحرر الدين من الاختطافات التاريخية والبنيوية فتكون مكنوناته متاحة لكل جيل بنفس الشحنة التي نزل بها في اللحظة الأولى، ويحيلنا هذا الفهم أن الدين هو جزء لا يتجزأ من العمران من جهة توقيعه كقيم تاريخية، ومن جهة أخرى أن الدين والعمران يشتركان في كونهما (فكرة مثالية) في الجوهر لا تعبر تجلياتها الجزئية إلا ظاهريات عنها تقف في حدود الإمكان لا تتجاوزه إلى الضرورة.

فنصل أخيرا إلى تمحيص مضمون الكلي عند ابن خلدون والتي تعبّر عنه فكرة (الإمكان السببي) بديلا عن فكرة (الضرورة السببية) التي سيطرت على من أحلنا إليهم من مفكري الغرب المحدثين، وهو ما يفتح إمكان أن يكون كلي ابن خلدون البديل النظري المحتمل للحاصل اليوم من الانسدادات المعرفية والأخلاقية كونيا وإسلاميا كما سنعرضه:

إن ميلاد علم العمران كان إيذانا بتمام العقل الاستدلالي في الإسلام، وأنه كان عنوان انفتاح داخلي وذاتي للثقافة الإسلامية على المنطق الاستدلالي، ومفاد ذلك ما حملته النظرة الخلدونية من عقلانية نقدية أولا نحو التراث اليوناني وهو ما تجلى بوضوح في مقالة “إبطال الفلسفة”.

ولما قامت نهضة الغرب الفكرية على إعادة إحياء التراث اليوناني على صورته التي انتقدها ابن خلدون فيما سمي بـ”الأفلاطونية الجرمانية المحدثة” والقائلة بإمكان بلوغ العقل الحقيقة المطلقة اقتضى أن يقصى السؤال الديني إن بالقوة (في الاتجاه التأويلي) أو بالفعل (في الاتجاه التحليلي)، وذلك انجرارا وراء النتائج الباهرة التي يحققها الإنسان الغربي من جراء العلم التجريبي الأصم، فيتبيّن من كل ذلك جدارة ابن خلدون في استعادة السؤال الديني واتخاذه مصدر استلهام، وذلك لعلتين شكلية ومضمونية:

العلة الشكلية: تكمن في تفرّد النص الديني في الإسلام بصفة القدسية لما احتفظ به من ثبات لم يثر حوله إشكال ظاهري يذكر، فالمؤمنون جميعا متفقون على تلاوة نص وحيد على اختلاف رواياته، ومن ثم يكون من حيث المبدأ هو المصدر الديني الوحيد لتأسيس ميتافيزيقا متعالية خالية من شوائب الأغراض القاصرة للبشر.

العلة المضمونية: هي ما توصلنا إليه في الدراسة من تفاصلات بين ابن خلدون والعقل الغربي في تمثّل المسائل التأسيسية التي تصدر عن الكلي الفلسفي كما نوردها تباعا في النقاط الأربع الأخيرة التي نختم بها عرضنا هذا:

أولا: إن التزام موقف الحياد أو التخلي عنه لجهة التحيّز عند ماكس فيبر يخضع لضابط براني هو المؤسسة، وهو أمر عسير التحقق لجهة صرامة الفصل ولجهة خضوعه لوازع خارجي، بينما تحددها الفلسفة الشهودية في مؤسسة معنوية مركزها الضمير والمتجسدة في فكرتي التواصي بالحق (أخلاق الموقف) ومؤسسة التواصي بالصبر (أخلاق المسؤولية)، ذلك أن الفصل بين موقفي الحياد والتحيز يكون بمقتضى الحال لا يتطلّب تحديدا قانونيا مسبقا، فالحياد يكون دائما لغاية مادامت طبيعة الإنسان التحيز كما أثبت ذلك ابن خلدون عندما إلى تطرق التحريف إلى الخبر بطبيعته، فالحياد أداة توجيهية للفكر لأخذ موقعه الصحيح في الوجود، إذ الموقع هنا إشارة ضمنية إلى التحيز.

ثانيا: إن منهج الشك بوصفه دليلا على وجود النفس الإنسانية دليل قاصر يفتقد للأصالة الوجودية لتضمنه علاقة الفعل والانفعال، فديكارت يعتبر اليقين غير ممكن الحصول دون شك مسبق، ويرجع قصوره إلى إغفاله معنى الفطرة بوصفها مرجعا في تلمّس اليقين وصحته، وهو ما يكفله النص الديني المخلّد في آيات: الميثاق المأخوذ من بني آدم، والفطرة التي فطر الناس عليها، والسنة التي لا تتحول أو تتبدل، فهي جمعا إلى محفوظية النص تعدّ المصدر الرئيس والموثوق لـ”الدليل الوجودي” أو العلة الفلسفية الأولى.

ثالثا: العمل التحريري لفكرة النقد الكانطية تمثل فيما فتحته من آفاق رحيبة أمام العقل دون حدود من خلال تحرير ملكات النفس الثلاث، وأن كل شيء خاضع لتحليل العقل وتركيبه، إلا أنها تبقى ملكات محدودة في حجمها لا تتعداها إلى الإطلاق، وذلك لتأكيد النص كل مرة على محدودية العقل مثل الإشارة إلى: قلّة العلم الإنساني، والإحاطة الألهية بالعلم والبشر… إلخ، ومن ثم لم يكن للعقل أن يخوض فيما يتجاوزه، وذلك ما عبرت عنه مقولة الصديق رضي الله عنه: العجز عن الإدراك إدراك.

رابعا: إطلاق الاستقراء بوصفه منهج الحقيقة الوحيد وتضمنه مفهوما محصورا عن الحس والتجربة يفارق المفهوم القرآني عن الاستقصاء والتبين بمعناه الأوسع والسير في الأرض لاكتشاف كيفيات الخلق والانفتاح على التنوع والتعدد، ذلك لكونه استقراءً لا يستثني النص منه نفسه بالإشارة إلى التفكر والتدبّر وأولي الألباب والنهى… إلخ.

أخيرا وختاما فإنه وبعد ما تقدّم من بحث لإشكالية العلاقة بين الجوهري والعرضي في الفكر الحديث والعلاج العميق الذي يمكن أن تقدّمه الثقافة الإسلامية عبر ابن خلدون –الذي يعتبر أحد النماذج القليلة التي قدمت مساهمات عقلانية نقدية متحررة من الإندراج في سنن العقل اليوناني- صار بيّنا أن المهمة الراهنة الملقاة على العقل الاجتهادي هي محاولة استدراك الفراغ الخلقي الذي خلفه غياب وتغييب السؤال الديني (بشرطه القدسي وهو الحفظ)، ومن ثم التأهل لتفكيك أسرار الدين الخاتم عقيدة وشريعة، بوصفها لحظة التنوير الديني الحقيقية التي ما تزال عالقة منذ أزيد من أربعة قرون. والله أعلم

——————————

(*)- هذا ملخص مطول للمقال المحكّم المنشور في مجلة العلوم الاجتماعية الصادرة عن المركز العربي الديمقراطي ببرلين، أكتوبر 2018.

وفي الرابط التالي المقال كاملا:

الاجتهاد واخلاقيات البحث العلمي عند ابن خلدون-8-19

 

داخل الدراسات, المقالات, حوارات
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029159
اليوم : 42
الأمس : 120
هذا الشهر : 1530
هذا العام : 19449
مشاهدات اليوم : 436
مجموع المشاهدات : 110108
المتواجدون الآن : 1