بناء الدولة وعلاقته بالوحي المحمدي

كانت البيعة منعرجا نقل المجتمع الجديد إلى مرحلة الالتفاف المعنوي حول الدين الجديد وشخصه المركزي محمد، ذلك أنها جاءت على شاكلة “عقد سياسي” غايته أن حماية الدين ومقوماته التي ستكون أولوية مركزية للذين قدموها، والمبايعة في العرف الديني تجارة مع الله بالمعنى الديني، بحيث هي بيع المؤمنين أنفسهم في سبيل تلك الفكرة، فكرة حماية الثقافة الوليدة وجماعتها الحاضنة لها، وحيازة المقومات اللازمة لذلك والتي تندرج تحت إطار فكرة الدولة التي تأسست استجابة لمقتضى المشروع الروحي المحمدي –الإسلام- في تثبيت استقراره أولا وضمان استمراره ثانيا.

لذلك فإن أصل تأسيس دولة الرسول كان استجابة لما يتطلبه الدين من مطلب الحماية لما كان قد تحقق من مكاسب وسعي لمضاعفتها، وكان ذلك اندراجا ضمن الوجه الناسوتي للدولة والاجتماع الإسلاميين، أعني أنها كانت نوعا من أنسنة حصلت للدين بوضعه ضمن وعاء سياسي سبق وجوده في التاريخ البشري هو الدولة، فالدولة ككيان مؤسسي مثّل البوتقة الضرورية للدين بكل مضموناتها اللوجستية: الشعب (المجتمع المسلم) والأرض (الجزيرة العربية) والسلطة (الرسول وأنظمته) ضمن إطار متعارف عليه من قبل في الحضارة الإنسانية وهو الملك أو الدولة التي تقوم على عضد البناء الأقوامي.
من ثم فإن الأمر متعلّق في تأسيس الدولة بتأطير الفكرة الدينية المطلقة ضمن كيان معياري سابق عليه، أعني الدولة كوجود تاريخي والشعب كمقوم بنيوي لها، لذلك فقد كانت الغاية من إقامة الدولة مضاعفة، أولا: تجذير الدين الجديد وصياغته كموروث إنساني، وثانيا: تنسيبه أي إخضاعه للشرط التاريخي بوصفه شكل اجتماعي متقدّم على الإسلام هو الدولة، وهذا يقتضي المرور –الذي هو في جوهره تنازل وفي ذات الوقت تحول ضروري- من مرحلة تعميق الإسلام في النفوس (الجهاد الأصغر) إلى مرحلة تعميقه في التاريخ (الجهاد الأكبر)، والجهاد الأكبر هنا بدلالتين: دلالة كونه طموحا أُخرويا، ودلالة كونه أيضا الشرط الرئيس في تحقيق الفاعلية الدنيوية، أي أنه شرط تحقق للجهاد الأصغر.
فالدولة المحمدية في النهاية كانت الظرف الذي تحققت فيه فكرة التوحيد الإسلامية التي شكلت جوهر مضامين الوحي وتفصيلاته، لذلك كان من المهم إذن الانتباه إلى أن مرحلة نزول الوحي (الثورة الروحية) كانت سابقة لمرحلة بناء الدولة (الثورة السياسية)، وهذا له دلالة معينة تجعل الوحي قبل الدولة ليس هو الوحي بعدها، وذلك ما قد يزيد في إيضاحه تقسيم القرآن إلى مكي ومدني، بمعنى أن الدخول في إطار الدولة يعني نهاية المرحلة النموذجية للتحقق المطلق لفكرة الدين، والدخول في نسق جديد، أعني أن الفارق بين القرآن المكي ونظيره المدني يكمن في أن الأول جاء شاملا عاما للقضايا الدينية والتاريخية والطبيعية، أعني أقرب إلى الكونية في علاج وتشخيص قضاياه، بينما جاء الثاني أكثر تحيزا إلى القضايا الاجتماعية والسياسية والثقافية، بما يجعله أقرب إلى المحلية في علاج وتشخيص قضاياها.
والنتيجة أن القراءة المعاصرة للخطاب القرآني تستوجب إعادة استكشاف لتلك اللحظة حتى لا يؤخذ في إطلاقيتها، بل أن تُقرأ في مدلولاتها بالنسبة للزمان والمكان، وهذا يعني أنه لا نص الوحي تقادم ولا ظرفيته تخلدت، فالوحي كنص، معلوم أنه صادر عن (كائن مفارق) للطبيعة والإنسان، ويبدو أن الحقيقة التي غابت على منكري ثبات النص القرآني تمثلت في عدم التمييز بين النص وسياقه الظرفي، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى عدم التسليم بإمكان أن يكون نص الوحي هو أيضا (نص مفارق) لبقية النصوص، ذلك الذي يؤدي إلى عدم إمكان التمييز بين الأسلوب الظرفي للنص وخلود دلالاته ومعانيه.
لذلك فإن القيم الممكنة التي سادت بعد إتمام تأطير الفكرة المطلقة للوحي في إطار الدولة، هي التي يمكن أن تقربنا من موضوع القيم التي كانت تحكم المجتمع الإسلامي الوليد، وبصيغة أوضح نطرح السؤال، ما هي الروح التي استند إليها المجتمع الإسلامي بعد تأطيره ضمن حدود الدولة؟
إن الأمر يعيدنا طبعا إلى مضامين الوحي وأنها سيعاد إنتاجها من جديد لكن بشكل مختزل بعد تأطير المجتمع بالدولة، والاختزال هنا هو بالمفهوم الرياضي الوظيفي –لا بالمفهوم السلبي الذي يقتطع الجزء دون الكل- الذي يحافظ على روح الشكل الكلي للحقيقة الرياضية، ذلك أن دمج الإسلام في شكل سياسي متقادم قدم الوجود الإنساني هي عودة بالدين الحق إلى الأصل تماما كما يعود العدد إلى طبيعته بعد أن كان كسرا استثناءً، وذلك استنادا إلى ضرورة ما، والضرورة هنا هي التدرج من الدين المطلق بما هو فكرة مطلقة في بدايتها إلى الدين النسبي بما هو تحويل الفكرة إلى واقع فعلي مَعيش.
في الواقع، إن عملية التأطير التي حصلت أول مرة تمت من دون الحاجة إلى تأويل جديد تجعل منه (أي التأويل) “العنصر المفقود” في اللحظة المحمدية، وهذا يعني أن تأسيس الدولة المحمدية في حد ذاته تم داخل النسق الإطلاقي الذي لم يكن بحاجة إلى تأويل، حيث البديل هنا هو “نبوة” محمد التي تغني عن التأويل، وأن بداية عملية التأويل سوف لن تتم إلا على أنقاض الدولة الراشدية وما بعدها، أي بعد ظهور عصري التدوين والترجمة بوصفها العناصر التي من خلالها سيصبح التأويل مطلبا وضرورة في الآن ذاته.
والمحصّلة هي أن فراغا حصل ولم يُرأب إلى اللحظة، أعني أن اللحظة المثالية في التحام الدين الحق بالتاريخ الفعلي من خلال التأويل لم تتحقق بعد في التاريخ! وتلك دلالة العنصر المفقود المتمثلة في عملية التأويل بما هي وعي لابد منه خلال عملية إلحام الدين بالتاريخ، وأن المخاضات التي حصلت من بعد وفاة الرسول إلى غاية اللحظة الراهنة هي كلها تحضير لهذا الإلحام الذي سيحصل مستقبلا بفضل التأويل الاجتهادي، التأويل الذي يقوم على أساس من خلود النص في بنائه اللغوي ودلالاته المتعالية مع الوعي التام بتاريخية السياق التاريخي والثقافي. محمد عبدالنور
داخل المقالات
ديسمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

030105
اليوم : 15
الأمس : 83
هذا الشهر : 365
هذا العام : 20395
مشاهدات اليوم : 49
مجموع المشاهدات : 112395
المتواجدون الآن : 3