تأملات بنبوية، الحلقة التاسعة

يُعرّف بن نبي العالم الثقافي بوصفه “بِنية متحركة” متلائمة مع العلاقات بين الأشياء والأشخاص والأفكار، وأن الأزمات الاجتماعية دليل على اختلال التوازن بين العناصر الثلاثة، وخلال المراحل الانتقالية يتم تحديد نتائج الصراع بين العوالم الثلاثة الذي يحدث في قلب العالم الثقافي بحيث تكون النتيجة بالضرورة وفقا لاتجاه المجتمع في سلّم الحضارة.

يواجه المجتمع الإسلامي راهنا تغوّل للعنصر الأول المتمثل في النزعة الشيئية ويواجه من ثم نتائجها النفسية والاجتماعية، إلى درجة تصير فيها “الشيئية” أداة تحليلية لفهم الوضع الحاضر، فالشيء المنتج في الغرب وإن سيطر على المجتمع فإنه يحقق نوعا من الإشباع عند الإنسان الغربي لتوفّره أولا ولقدرة الغربي على الحصول عليه ثانيا، بينما يفرض الشيء طغيانه في البلد المتخلّف لندرته فينشأ عنه عقد الكبت النفسي والتكديس التجاري الذي ينعكس كسادا على الاقتصاد الوطني؛ بهذا نفهم كيف يؤثر العامل الثقافي في الموضوع الاقتصادي والحياة الاجتماعية بشكل عام، فالشيئية تنتج استبدادا على المستوى السياسي واحتكارا على المستوى الاقتصادي، على أن علاج الأخيرين يقتضي بالضرورة علاج الأول قبلهما.

ينتج عن ذلك إذن على المستوى النفسي حالة من اليأس تنتهي بمحاولة الهروب إلى الأمام في كلا الضفتين المتقدّمة والمتخلفة، فالإنسان الغربي يجد نفسه في حالة الإشباع تلك ميالا إلى الترحال وتغيير الأجواء، بما يجعل من الإجازات مدعوة الثمن مسكّنا غرضه تحقيق استقرار المجتمع، وبعد ذلك لن يبقى أمام الإنسان الغربي المشبع إلا التعامل مع الوساوس، بينما في المجتمع المعدم ستكون غايته الكلف بعالم الأشياء الذي لم يصل إليه بعد، إن داء الشيئية واحد ومشترك وإن اختلف تجلياته بين الضفتين.

نجد بن نبي هنا يعرّج بنا إلى تحليل الظاهرة الحضارية إجمالا، ويرى أن داءها المشترك هو الشيئية التي تنتصر في كل مكان على أية فكرة! كما أن انتصار الشيء على الفكرة في المجتمع الإسلامي “يأخذ أشكالا تدعو للسخرية، فحينما يحل الشيء مكان الفكرة بطريقة ساذجة تنشأ حلول مزيفة لمشكلات حيوية” ص87.

إن اختلالا كبيرا جدا يظهر في معادلات المقتنيات والحاجات الحقيقية عند أفراد ومؤسسات البلد المتخلف، فهو يقتني مالا حاجة له به، ويستغني عن الأساسيات، وهذا الوضع تحديدا جوهر انتصار الشيئية داخل العالم الثقافي على حساب الفكرة، وتصل إلى حد متطرف تصل فيه حد المادية عند الأطفال، بينما في المجتمع المتقدّم تتخفى الشيئية في مظاهر أكثر خداعا وتظهر في علامات تستعصي على الإدراك المباشر.

يعرض مالك بن نبي لدراسة إدغار موران التي نشرها على صفحات النوفال اوبسيرفاتور حول فشل الاشتراكية في انكلترا التي رغم أنها تضم العدد الأكبر من الأجراء إلا انهم لم يمنحوا أكثر من نصف أصواتهم للحزب الاشتراكي، فكان تفسير موران لذلك أن الحزب المحافظ قد أمّن كل مطالب الأجراء، إلا أن بن نبي يجد أن موران لم يفلح في تفسير التطور النفسي للعامل الانكليزي الذي غرست الشيئية في وعيه، ذلك أن الاشتراكية المهزومة نفسها هي التي ركزت الوعي الشيئي (المادي) في المادي، فهي في نظر بن نبي العامل الرئيسي الذي أمّن الانتصار لصالح المحافظين.

لم ينتبه إدغار موران إلى تلك الحقيقة حسب بن نبي، بل ورغم تنبّهه للوضع وتنبؤه إلى خطورته استطرد بالقول بأنه يجب أن نعيش حضارة الرفاهية في العمق، وهي كما يرى بن نبي نتيجة تخالف المقدمات التي انطلق منها موران فانتهى به الأمر إلى علاج فاقد للدواء؛ فانتهى الأمر إلى بروز معارضة لا تهدف إلى الإصلاح وتعمل بالمقابل على ترسيخ الفوضى، وذلك ينطلق من إشكال نفسي يتملّك اصحابه قبل أن يستحيل إلى مرض اجتماعي، وكأننا هنا ببن نبي يلامس مُسمى ما بعد الحداثة التيار الفكري الذي قام على ذات الصفات التي قدّمها في التحليل، فهي نتاج حالة هروبية لا تستنكف التناقض، ومرد الهروبية تلك عند بن نبي هو عدم إمكان مراجعة علاقة الفكرة بالشيء في الوعي، بما هو انجذاب للفكرة نحو الشيء، وليس العكس بحيث يصبح الشيء خادما للفكرة وليس العكس.

إن هذا الكلام الأخير يجعلنا نستوضح جيدا مفهوم بن نبي عن الفكرة والشيء بما هو تمييز بين سمو وإخلاد، حيث الفكرة سمو يتعالى على التجسيد المادي ولا يجعل من الأشياء إلا وسائل في سبيل تحقيق الغاية الفكرية الروحية، بينما الشيئية لا تعير للأفكار قيمة إلا بوصفها وسيلة لتحقيق لغاية مادية، أو خدمة لأغراض شخص بعينه.

والمرحلة التي يمر بها المجتمع الغربي شهدها المجتمع الإسلامي عندما اقترب من انفصام عالمه الثقافي وهو ما عبّر عنه عقيل أخو الخليفة علي (ض)، “إن صلاتي مع علي أقوم وطعامي عند معاوية أدسم” ص 94، ذلك انفسام النفس والروح بين الطعام والصلاة بما هو مؤشر واضح على بداية الشرخ بين الفكرة والشيء، بين الفكرة والوثن.

داخل مالك بن نبي
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029159
اليوم : 42
الأمس : 120
هذا الشهر : 1530
هذا العام : 19449
مشاهدات اليوم : 434
مجموع المشاهدات : 110106
المتواجدون الآن : 1