تأملات بنبوية، الحلقة الخامسة

إن ظهور “التوتر النفسي” كحالة تصاعدية لروح الفاعلية الإنسانية والمتوافق مع مقولة الاستجابة لتحد وجودي يجابهه الإنسان، يكشف عن جوهر الحالة بأنها “تكيّف” شبيه بنظيره البيولوجي عند الكائنات الحية عندما يواجهها طارئ ما، استنادا إلى أنه لن يحدث إلا في حالة دبيب الحياة في الكائن العضوي، تماما كما تكون المجتمعات التي تستجيب للتحدي حية بالمعنى الثقافي والروحي؛ لكن بادي الرأي يبدي علاقة أشد وثوقا بين التكوينين العضوي والثقافي قد تصل إلى حد التداخل والتلاحم.
الكائنات الحيوية العضوية تأتي مجهزة بآليات دفاعية للتناسب مع المحيط البيئي الذي تنوجد فيه، {فالله أعطى كل شيء خلقه، ثم هدى} وكذلك {خلق فسوى} و{قدّر فهدى}، إذ للهداية هنا معنى طبيعي يشير إلى مبدأ التكيف، أي أنه أعطى خلقا أوليا لكل ما خلق وركب فيه الآليات التي يتماهى فيها مع الأوضاع المختلفة، وطبيعي أن يؤدي التكيف إلى آثار مستمرة ودائمة على تكوينية الكائن العضوي، دائمة يعني أن الأثر الراهن سيترك أثره ابتداء من كل لحظة إلى ما يليها لما لانهاية له من الأوضاع المحيطة؛ ومستمرة يعني أن تأثير المحيط على الكائن العضوي مستمر، إذ كل لحظة تهب جديدا للكائن، وهذا يعني حركية مضاعفة: أثر اللحظة على بنية الكائن العضوي الثابتة، وكذا لكل لحظة إمكان تأثير على الكائن، وهذا يفتح الإمكان على تشاكل لا نهائي للوجود حيوي مستمر عبر الزمن.
وعلى ذلك، تتاح للإنسان إمكانية التدخل الواعي في المحيط للحد التأثير الطبيعي للمحيط البيئي من خلال “عملية العزل” بمدلولَيه الأخلاقي والطبيعي، فالإنسان يستطيع أن يستبق التكيف البيولوجي المزودة به الكائنات طبيعيا بعزل إرادي (أخلاقي أو شبه أخلاقي) استنادا إلى إمكانياته في التوقع وإرادته تجاوز الظرف دون أثر، وتلك ميزة من ميزات الإنسان غير الممكنة لغيره من الكائنات، لكن في النهاية كان لابد من اعتبار العزل أيضا آلية تكيفية، ما يعني أن الاختلاف في التكيف ليس إلا في الدرجات، فيغدو التكيف حالة شاملة للمجالين الطبيعي والخلقي تدمجهما معا دمجا، وذلك لكون الخلقي تفاعل آني ومباشر مع الطبيعي وكذلك أمكن للخلقي أن يؤثر على الطبيعي كما تقدّم بيانه، ومن هنا كان لنا أن نسال كيف يمكن نفهم المسألة الحضارية على ضوء هذا التلاحم بين الطبيعي والثقافي؟ أوبصيغة أخرى أكثر ارتباطا بسياق التحليل البنّبوي، بأي معنى تتضمن الثقافة الإسلامية آلياتها الدفاعية العضوية؟ وقبل ذل، لو زعمنا أن الثقافة الإسلامية تحمل آليات مناعتها الذاتية، فكيف يمكننا تفسير ذلك وفهمه؟
إن حقيقة خلود النص الديني تعطي طبيعة ثانية للإسلام إضافة إلى طبيعته التاريخية، ذلك أنها طبيعة متعالية الطابع تقوم على التصديق والاتفاق على صحته، أعني تصديق أن الوحي كان إلهيا على محمد، وأن ما تلاه محمد على قومه في زمنه هو نفسه الذي نتلوه اليوم محفوظا على القراطيس، ما يعني أنها ثقافة تنمح لمنتسبيها دائما إمكان الاتصال مباشرة بزمن النزول، ولعلها الحقيقة الرئيسة التي تعطي المناعة لهذه الثقافة، على خلاف كل ثقافة أخرى على الأرض، حقيقة أن تكون الحقيقة الدينية تجربة معيشة مباشرة دون وسيط، لا ثقافي (التراث) ولا طبيعي (الزمن)، وعن التفاعل المباشر ينتج الأثر الظاهر للعيان على الواقع في المعتقد بداية وفي السلوك غاية.
القرآن يجعل من الثقافة الإسلامية حالة وجودية تفارق كل معهود تاريخي وطبيعي، لكنها في الوقت ذاته ملتحمة بالطبيعي تمام الالتحام، بما يجعل منها عند اكتمال الدائرة حالة طبيعية، لأنها لا تخرج الإنسان من طبيعته بل ستغدو ضرورة طبيعية عندما يدرك الإنسان أنها الثقافة الوحيدة التي تبقى الإنسان على طبيعته، ثقافة تمنح من خلال مبادئها الكبرى إمكان متقدّم من المقاومة والتكيف، بفضل الوعي الذي يمنح إمكان استباق الأحداث عن طريق العناية والحماية الثقافية تماما كما يكون التطبيب وقاية عضوية طبيعية عن طريق التشخيص والعلاج.
إذن فطرحنا يتجاوز المماثلة بين الطبيعة والشريعة إلى الوصل الفعلي والحي بينهما، ذلك أن التعامل مع المباشر مع الطبيعة يفضي إلى تحري التكيف والتطور فيها تماما كما يؤدي التعامل المباشر مع نص الوحي إلى تحري التلازم بين التجربة الحية والتدين، وأن العامل المشترك بينهما هو رغبة البقاء والتكاثر العضوي والثقافي على التوالي، ومن ثم نصل إلى القول بأن الثقافة الإسلامية كانت ستندثر لولا أن كانت في جوهرها تحفظ الصلة مع الطبيعة، وهنا تتحدد غاية الثقافة الإسلامية نفسها بكونها جاءت تحصيلا لحقيقة الصلة الموجودة بين الطبيعي والأخلاقي ولأجل التذكير بتلك الصلة، الصلة الفيزيقية بين العضوي والثقافي، فما معنى أن الثقافة الإسلامية تربط بين العضوي والثقافي على المستوى الأصغر، وبين الطبيعي والأخلاقي على المستوى الأكبر؟
يقول بن نبي أن “الفكرة” التي نقلت شعلات الجمر المضيئة منذ أربعة عشر قرنا انطلاقا من الجزيرة العربية إلى أبعد الأقطار، والتي كان لها عظيم الأثر في توحيد الشعوب، هي نفسها الفكرة التي سمحت له بمقاومة الاستعمار واستعادة الاستقلال، ما يعني أن الفكرة الإسلامية ـ بما هي الدافع الكامن للسلوك الإنساني ـ قد حملت بذور مقاومتها الطبيعية ككيان عضوي مزود بآليات دفاعية في مختلف الظروف وأسوئها، ما يعني أن الفكرة الإسلامية تمثل ميان ذاتي مستقل عن كل تاريخية بفضل الوصل الفعلي والحي بين النص والتجربة الدينيين لكل مسلم، تماما كما تستقل الطبيعة عن كل نظرية بفضل الوصل الفعلي والحي بين المادة والتجربة العلميين لكل باحث.
فكما أن الطبيعة سارية على كل موجود طبيعي، فإن الشريعة، التي يمثل الإسلام ذروتها، هي كذلك قانون يسري على كل “كائن مسبّح”، بما هو طبيعة فيه، فلا ريب أن الدين بعد ختمه صار طبيعة إنسانية، يبقى الإفصاح عن دلالة {إن هم إلا أمم أمثالكم} و{وما من دابة في الأرض ولا طائر إلا يسبح بحمده} و{يسبح الرعد بحمده}، ذلك أنه إشارة إلى تسوية في مستوى ما بين الموجودات الطبيعية والإنسان، فيكون الإنسان كائنا طبيعيا مسبّحا، فإذا افترضنا أن كل الكائنات تسبح وقفنا عند مفهوم التسبيح لتفكيك معناه ودلالته، فالسبحان من الجذر اللغوي سبح، ومنه السباحة، والسباحة غوص الجسد في الماء، وأن أن يكون الماء يحمل جسدا، أما التسبيح والسبحان فلعله استشعار الكائن بأنه مستغرق في الكون الفسيح، بما هو أولى درجات الوعي بالمكانة الوجودية، التي يتلوها الحمد والتكبير، حيث الحمد إدراك المخلوق لمفارقة الخالق له، والتكبير تخصيص المخلوق بتعظيم الخالق، لذلك اختصت الكائنات كلها بإدراك أنها مستغرقة، لكنها تعجز عن إدراك الخالق مفارقا لها فضلا عن تعظيمه.
فتلك إشارتان في الجواب عن سؤال الصلة بين الطبيعة والشريعة، أعني المماثلة بين الطبيعة والشريعة، وكذا مستوى الصلة بينهما، ولعل بحوثا قادما تتيح لنا الغوص أكثر في استجلاء الصلة الوثيقة بين الطبيعي والشريعي في مقبل الأيام، والله الموفق

داخل مالك بن نبي
ديسمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

030105
اليوم : 15
الأمس : 83
هذا الشهر : 365
هذا العام : 20395
مشاهدات اليوم : 50
مجموع المشاهدات : 112396
المتواجدون الآن : 1