تأملات بنَّبوية، الحلقة الثالثة، مع تعقيبين

يُماثِل البيولوجيون بين علم الأجنة وكيفية تكوين وتركيب الجماعة الإنسانية، فهم يرون أن مراحل تكوّن الجنين في بطن الأم تشبه تماما مراحل نشأة وتطور المجتمعات البشرية، وبالمقابل فإن الفكر الديني، ومنه القرآن الكريم، لم يُفصّل في كيفيات نشأة الجنس البشري عامة ولا قدّم شرحا لتكون الجماعات الإنسانية.

لذلك وجد بن نبي أن المدخل الأفضل لمكاشفة موضوع تكَوُّن الجماعة الإنسانية هو النظر في تاريخية الجماعة الانسانية، ذلك أن الذي تعجز عنه البيولوجيا ولا يشير إليه القرآن إلا رمزا هو “تحديد كيفيات” الانتقال من مرحلة إلى أخرى؛ فإذا كان بن نبي قد أشار إلى نوع من التماثل بين التكوينين الفردي والجماعي في مسألة العلاقة بين العوالم الثلاث (الأشياء والأشخاص والأفكار)، إلا أنه أفرد المستوى الاجتماعي بخصوصية لا توجد في أي عالم آخر فقال: “فكل مجتمع مهما كان مستواه من التطور له عالمه الثقافي المعقد.” ص 36، مشكلة الأفكار.

ومما تقدّم يظهر أن بن نبي قد استند في صياغة نظريته الفلسفية الاجتماعية إلى فلسفة الوعي في ارتباطها بالمقاربة النفسية الاجتماعية، وذلك من وجهين، الأول سلبي والثاني إيجابي، والأول ظاهر في النص البنّبوي الذي استبعد المقاربتين البيولوجية (علم الأجنة) والنفسية (علم النفس الفردي)، وخص المقاربة الدينية (القرآن خاصة) بأنها توجيه رمزي لا يقدّم تفاصيل، وبالتالي لا يمكن الوصول إلى “تحديد الكيفيات” إلا بمنهج مستقل تماما عنها، هو منهج التحليل المنطقي للمجتمع.

1-فالبيولوجيا تفسير عضوي لا يمكنه أن يفي بخصائص الكائن الإنساني المعقدة.

2-علم النفس الفردي خاضع للتجربة المباشرة ولا يمكنه أن يسمو إلى فهم الحقائق الجماعية.

3-النص الديني توجيه وجودي كلي يخلو من التصريح العلمي والمنطقي إلا بما هو استنتاج.

أما التحديد الإيجابي فيستقيه بن نبي إن بشكل مباشر أو غير مباشر من فيلسوفين، فأما ما تعلّق بتحديد الكيفيات المعلّلة سببيا ومنطقيا فيستند فيه إلى رؤية ابن خلدون العمرانية، وأما ما تعلّق بالنظر إلى الوعي وفلسفته فيستند إلى رؤية هوسرل الظاهراتية، لذلك أمكننا أن نستعير الصياغة اليعربية لوصف منهج بن نبي بأنها “الطريقة ذات القبلتين” لكونها تأخذ من السالف والخالف، ليس مجرد أخذ مطلق وإنما بارتباط مع الإشكالية الجوهرية التي هي معضلة التخلف الإسلامي المقترن بثقافة إسلامية لم يعد لها وجود في الواقع الفعلي إلا بالاسم.

يرى بن نبي أنه وبغض النظر عن بدائية المجتمع وتقدمه فإن عناصر أساسية تكون دائما حضارة داخل النشاط الإنساني هي: أـ البواعث الأخلاقية، بـ الأفكار التقنية، أما ما يُظهِر الاختلاف بين المجتمعات فهو رجَحَان أحد العوالم الثلاثة (أشياء، أشخاص، أفكار)، ذلك أن الرجحان هو الذي يصنع الفوارق الظاهرة والباطنة بين المجتمعات.

لذلك فإن معضلة التخلف والتقدم ليست موضوعا بدهيا ظاهرا للعيان، بل يحتاج إلى استكشاف تأملي، ودليل ذلك أننا قد لا نستطيع من حيث الظاهر المباشر التمييز بين دولة متقدمة وأخرى متخلفة، أو المثال الشهير لبن نبي الذي يضربه عن ألمانيا واليابان المدمرتان بعد الحرب العالمية الثانية اللتان استعادتا في وقت قياسي حيويتهما العمرانية، ومعنى ذلك أن روحا تسكن الشعبين تحركهما للإنجاز، وهل تتجلى الروح إلا في الأفكار التي تشكل الخلفية الحقيقية لكل عمران وازدهار قائم على أسس صلبة ومتينة بعكس البنيان القائم على التقليد والانتحال!

فالمفارقة الكبرى أننا نجد المجتمع المتخلف لا يتناول قضاياه بأنه كذلك، أي أنه مجتمع متخلف، بل يتناولها وكأن كل شيء على ما يرام، خاصة على مستوى النخب بجميع أصنافها التي غالبا ما لا تميز بين شعورها بالسلطة على الناس وشعورها بتخلف المجال الذي لها عليه السلطة، وعندما يتغلب شعور السلطة على النخب فإنها تتحالف بالضرورة مع نخب الدول المتقدمة، ذلك أنه لو غلب عليها الوعي بالتخلف وأسبابه الحقيقية لتحرك ضميرها للعمل والتحالف مع الجماعة الأهلية.

التفسير النفسي الاجتماعي للفقر الفكري يجد تفصيله في نظرية الأزمنة الثلاثة: مجتمع ماقبل الحضارة، مجتمع الحضارة، مجتمع مابعد الحضارة، ذلك أنها نظرية تنبه إلى ما يفوت على الكثيرين عندما يغفلون عن إدراك دلالة المرحلة الثالثة، فهم غالبا لا يميزون بينها وبين المرحلة الثانية.

ذلك أن ادعاء علاج مشكلات التخلف سيكون فاقدا لأساسه المنطقي والاستدلال عندما يحصل إغفال التحول النفسي العميق الذي يفصل المرحلتين الثانية والثالثة، فتعتبر المرحلة الثالثة خطأً أنها استمرار للثانية، ذلك الذي يؤدي إلى فشل ذريع في التحليلات الفلسفية، الأخلاقية، الاجتماعية، السياسية والاقتصادية.

وينبّه بن نبي أن الجهل بنوعية الفارق بين المرحلتين الثانية والثالثة يستغل من طرف دوائر الصراع الفكري عندما تربط بشكل خاطئ بين الانحطاط، الذي تعبر عنه المرحلة الثالثة، والإسلام، فيبدو وكأن الإسلام هو سبب التخلف، بينما الأمر قائم على دورة حضارية ثلاثية الأبعاد لم تؤخذ في كليتها، لذلك فسر بن نبي أن المرحلة الثالثة من الحضارة أنها انقطاع عن الأصول الثقافية والتاريخية للمجتمع الذي أنتجها، فـ”هو يتقهقر إلى الوراء بعد أن هجر درب حضارته وقطع صلته بها” ص38، ذلك الذي عبر عنه ابن خلدون بأسى فقال: “وكأنما لسان الكون ينادي في العالم بالنوم والخمول، فأجاب”.

إن المرحلة الثالثة هي تماما كالمرحلة الأولى تسيطر عليها “الأشياء”، إلا أن عالم الأشياء في المرحلة الأولى يكون شديد الفقر وبدائيا، بينما يكون في المرحلة الثانية مثقلا بتركة المرحلة الثانية (مرحلة الحضارة) من الأشياء، لكنها أشياء خامدة وخالية من كل فاعلية اجتماعية، فعالم الأشخاص في بداية التاريخ الإسلامي تجلى في المهاجرين والأنصار، أما في مرحلة ما بعد الحضارة فتمثل أولا في المتصوفة، ثم بعد ذلك وفي درجة أدنى انتقل الأمر إلى عالم المخادعين والدجالين الذين تولوا مكانة “الزعيم”.

إن الفكرة التي أضاءت على محمد في غار حراء، أحدثت أمرين:

  • أنهت ظلام الجاهلية الوثنية إلى نور التوحيد والحرية.
  • دفعت إنسان الجزيرة العربية إلى آفاق الكون الفسيح.

ذلك أنها حرّكت المجتمع الجاهلي ليتفاعل مع العالم والتاريخ، فكان أول عمل قام به هو هدم الحدود القبلية لتأسيس عالم أشخاصه، حيث أضحى كل مؤمن حامل للرسالة (المهاجرون والأنصار)، ثم تلاه بناء العالم الثقافي تحولت فيه الأشياء إلى لتكون في خدمة الأفكار، إذ يؤكد بن نبي أن عالم الأشخاص يتضمن جميع خطوات المرور إلى عالم الأفكار.

نلاحظ هنا تأكيد بن نبي على عالم الأشخاص كضرورة حيوية ليس فقط للانتقال إلى عالم الأفكار، بل لإعادة ترتيب مكانة الأشياء داخل العالم الثلاث، فتصبح الأشياء في خدمة الأفكار، ولعل هذا التفسير يصلح أيضا لفهم العناية التي خصها القر آن الكريم لأشخاص الأنبياء، وامتداح سلالاتهم وأسرهم، حيث يمكن أن نفهم ذلك ضمن تاريخيته المتسمة بالنبوة التي اختتمها محمد صلى الله عليه وسلم، فهو نفسه كان من السلالة الإبراهيمية، ومعنى ذلك أن مرحلة النبوات من آدم إلى محمد كانت مرحلة عالم الأشخاص في التاريخ الإنساني، بينما كانت مرحلة ما قبل آدم مرحلة أشياء، ومرحلة الأفكار التي افتتحها محمد.

وذلك الذي يشير إليه بن نبي في أن انفتاح المسلمين على الكونية، وتفسير الأحداث من خلال بعدها الكوني هو الذي سيضمن لهم رؤية سوية للأمور يتمكنون من خلالها تأسيس أفعالهم على تقويم رشيد، ذلك أن حقيقة العالم المعاصر كلها تقوم على جوهر فكري، وهل الفكر إلا صنو الكونية، أي أن الكونية ستكون متعذّرة لولا قيامها الفكري المحض، وأن المهمة الرئيسة للمسلمين إذن هي إعادة تقويم الوضع الكوني وإصلاحه وفقا لمتطلبات الاستراتيجية القرآنية ومنطق السياسة المحمدية، ومن ثم فليست مهمة المسلمين اليوم الخروج قيد أنملة عن قواعد الكونية الراهنة بقدر ما هو انكباب على بحث مطباته وإصلاحها نظرا وعملا وفقا لمبدأ تتميم مكارم الأخلاق الإنسانية النبوي.

فصار ممكنا إذن إسقاط النظرية البنَّبوية على التاريخ الإنساني، فهي وإن كانت صالحة لإسقاطها على التجمعات الصغرى والكبرى، فإنها أيضا ستكون صالحة لتفسير التاريخ الكوني ومنه صالحة لفهم العالم المعاصر الذي اقتحم مرحلة الأفكار منذ غار حراء، حين نزلت الرسالة الكونية على محمد، وأن ما يحصل وسيحصل إنما هو باتجاه استعادة نقاء الفكرة الإنسانية وأصالتها كما أقامها الفعل المؤسس للحضارة الإسلامية “الوحي”.

وبالعودة إلى تحليل التاريخ الإسلامي نجد أن مسيرة الأفكار اصطدمت في مرحلة ما بنقطة ارتداد وانكفاء، عندما تجمدت الفكرة فانقلب المجتمع على أعقابه، في زمن تولت فيه “إنسانية” أخرى السير إلى الأمام باتجاه تحقيق مقاصد التاريخ دونما نكوص، انقلاب أنتهى بالمسلمين إلى معانقة عالم الأشخاص من جديد، لكنه لم يكون عفويا كما كان في المرحلة الأولى، مرحلة الجاهلية التي اقتصرت فيها الأشياء على الأدوات البدائية الضرورية، بينما ستغدو في مرحلة ما بعد الحضارة عند المسلمين أدوات ترفية براقة تثقل الجيوب فضلا عن كونها تأتينا من خارج.

إن هذا التحليل الأخير يحيلنا إلى تأكيد ما أشرنا إليه من انطباق الأمر على التاريخ الإنساني، ذلك أن الإنسان المعاصر شرقيه وغربيه يعيش أولا عالم أشياء ترفي يجد فيه نفسه مضطرا لاستهلاك أدواته وتقنياته المتطورة، يثقل بها جيبه، وثانيا أن تلك الوسائل الترفيه تفرض عليه من خارج فرضا عن طريق المنظومة الرأسمالية الحديثة التي صارت تتحكم بدقة في مسألة خلق الحاجات الإنسانية وفقا لمنطق الربح والخسارة الاقتصادي دون اعتبار للمسألة الإنسانية، بما يشي بفقدان الإنسانية للمعايير الروحية واستسلامها للمعيار المادي، الأمر الذي يؤكد ثانية على أن الأزمة لم تعد مقتصرة على الإسلام والمسلمين، فالاستلاب صار يشمل الجميع، بما حرك ويحرك أقلام كبار المفكرين للتنبيه إلى الخطر المحدق بإنسانية الإنسان، ومن هنا بات التفكير فيس الأزمة كوني وعلاجه كوني أيضا.

التعقيبات

التعقيب الأول: لأبد من الأخذ بعين الاعتبار أن النقلة التي أحدثها اليونان تمثلت في تأسيسهم لعالم الأفكار لأول مرة في التاريخ الإنساني، من خلال نشأة “العلم النظري” في أرضهم، طبعا بناءً على المقدمات التي سبقت إليها حضارات الشرق الأدنى، ولعل حتمية الائتلاف بين الثقافتين اليونانية والشرق الأدنى تتضح في الاستئناف الذي حصل إبان عصر النهضة الذي تألفت فيه الهلنستية مع نظيرتها الحنيفية تاريخيا ومعرفيا، رغم ما بدا أنه عداء متأصل بين الحضارتين كشفت عنه الحروب الصليبية، إلا أن البحث يكشف عن تهوّد عميق سقطت فيه المسيحية، كشف عنه بن نبي بشكل مفصل في “المسألة اليهودية”، رغم القرب العقدي الصريح بين المسيحية والإسلام والذي تكشف عنه سورة “الروم”.

التعقيب الثاني: يشير بن نبي إلى التصوف بوصفه حالة استقالة من العالم الفعلي إلى ضرب من الرهبنة التعويضية، حيث يختزل التصوف إلى علاقة أحادية بين العبد وربه، وهذا نقيض للتصوف الفاعل القائم على مبدأ العودة إلى الحياة بعد التعبّد، وأتصور أن التصوف كظاهرة مستجدة في الحياة الإسلامية بعد تطاول المدة الزمنية عن عهد النبوة كان ضرورة لابد منها، وذلك لإعادة بناء الحياة الدينية على أسس عقلية بعد أن سيطرة في البداية الروح حيث الوصل المباشر والعفوي بين الحياة الروحية والفاعلية الاجتماعية والسياسية، لذلك يبدو طبيعيا أن تنحرف التجربة الصوفية في غالبها من المسار التكاملي للتجربة الدينية المحمدية، لذلك كانت إشارة بن نبي إلى الصوفية بوصفها انعزالية سلبية، وهي طبعا أفضل من ظاهرة الخداع التي تلت التصوف، لأن الخداع يمارس في الحياة الفعلية وهذا خطره أكبر من مجرد الإنزواء وإن كان الغالب أن الخداع ينتج عن التصوف الخاوي من البناء العقلي الصارم.

داخل شروح, مالك بن نبي
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029159
اليوم : 42
الأمس : 120
هذا الشهر : 1530
هذا العام : 19449
مشاهدات اليوم : 415
مجموع المشاهدات : 110087
المتواجدون الآن : 2