تركيا العثمانية حماية أم استدمار؟

هلْ تَرَى الوجود العثمانيَّ في العالَم العربيِّ سابقًا مساندةً ودعمًا وحمايةً له وخلافةأَمْ هو استدمار كما يُروِّج له بعض المؤرِّخين وأعداء الأُمَّة العربيَّة والإسلاميَّة؟ اذكر أدلَّة مِنَ تاريخ الباحثين المنصفين. وألا يَستحقُّ تنقيةً وتحقيقًا وتوثيقًا؟ وماذا تَقترح؟ سؤال طرحته صحيفة المغرب الأوسط ركن مراصد ثقافية على د. محمد عبد النور، دونكم الجواب:

جاء النزوح التركي من شرق آسيا إلى حدود آسيا الغربية وتخوم أوروبا الشرقية في لحظة تضعضع الحكم السلجوقي، فشكلت العصبية العثمانية الحصن والدرع الواقي الأخير للعالم الإسلامي الآيل إلى الضعف أمام الغزو الارتدادي للروم والأوروبيين عموما، فكان لتوطن العثمانيين في المنطقة، تركيا الحالية، دور مركزي خلال مرحلتي بداية الضعف تماما كما هو الآن في مرحلة محاولة النهوض.

وقبل الدخول في تفاصيل الجواب على السؤال محل النقاش من المهم الوقوف عند ضرورة الفصل بين “حقيقة” الغلبة والسيطرة الجغرافية على منطق العالم في كل مراحل التاريخ وبين “واقع” السلوكات الجزئية للحكام وما يخالطها في شطط يكثر أو يقل في حق الأهليين، لأن عدم الفصل بينهما يؤدي إلى تنابز أيديولوجي لا نهاية له.

لذلك فالحقيقة التي لا يختلف حولها هي أن العثمانيين قد حازوا أسباب القوة في مرحلة كان فيها جل العالم الإسلامي قد آل إلى الضعف الحضاري على كل الأصعدة وأصبح لقمة سائغة للاجتياح الاستعماري، فكانت الدول العثمانية بمثابة الأخ الأكبر الحامي للمسلمين، وكانت الفكرة الرابطة والمفعلة لذلك ذلك هو دافع الأخوة الدينية.

لذلك فالفارق قد يكون رفيعا جدا ولا يرى بين الحماية والاستدمار، فالثاني هو ضرب من نهب الثروات ومحاولات الاستئصال الثقافي من منطلق العداء والتمايز العقائدي فضلا عن محاولات الإبادة الديموغرافية، بينما الحماية تقوم على تولية حكام مناطق جغرافية وبلدان واستتباعها، استتباع حماية عسكرية ونفوذ سياسي واقتصادي، لذل فإن الأرجح أن الوجود التركي في بعض مناطق العالم الإسلامي إنما كان حماية لم تحمل معها ضغينة العقيدة ولا سياسة إذلال عن سابق رصد.

وأقرب الأدلة هي أنه تركيا العثمانية لم تسع إلى تفكيك التركيبة الاجتماعية والدينية للمجتمعات التي قامت على حمايتها ولم تسع لتكييف الوضع الاجتماعي لترسيخ بقائها بقدر ما كان الأمر متعلقا بتصريف أعمال مجتمع أنهكه الضعف والتخلف.

أما من الناحية السياسية والاقتصادية فلابد أن الحماية ستشكّل تمددا جيواستراتيجي ينتج عنه أعباء كبرى على الدولة الحامية، قد يراها البعض على أنها مزايا كبرى…، وأيا كان فإن الاستعمار الفرنسي الذي تلا الوجود التركي في الجزائر مثلا عمل على تفكيك البنى الاجتماعية والدينية ودخل منذ البداية في حرب معلنة وعنيفة مع الأهليين.

يبقى أن القول باستعمارية العثمانيين دائما ما ترتبط بمقولة الغزو العربي لبدان والشرق، وهي التسمية التي تحب أن ترى وتُري الفتوح الإسلامية استعمارا قوميا، رغم أنه من الناحية الفعلية كان لابد من تولية العصبيات لأفراد منها، ذلك لأنهم يحملون نفس الروح واليقظة، ومن غير الطبيعي تولية العصبية الصاعدة لأفراد من قوم غابت نعرتهم.

ولا تختلف النظرية التي تحتج على استعمارية العثمانيين بالإجحاف في حق الأهليين عن الآراء الشعبوية التي تشعر بالغبن بوجود نظام حكم يستفرد بشؤون الأمة العامة، وهي لا تعي أن وراء ذلك الاستفراد حماية حقيقة للأمن الحربي والاقتصادي لهم كأفراد، كما أنها غفلة عن أن ما يحصل اليوم من تعددية في الدول الغربية إنما تقوم على حقيقتين هما: أ- أنها تعددية صورية أكثر من كونها حقيقة فعلية، ب- أن إقحام الأجانب في تسيير الشأن العام إنما هو من علامات الضعف الحضاري.

*)- نشر بتاريخ 03/06/2020

داخل حوارات
ديسمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

030104
اليوم : 14
الأمس : 83
هذا الشهر : 364
هذا العام : 20394
مشاهدات اليوم : 38
مجموع المشاهدات : 112384
المتواجدون الآن : 1