إنارات حول كتاب: روح الجماهير

jamaheer2

حاول كتاب “حاشية على روح الجماهير.. صعود الحضارات وانحطاطها” الصادر عن الدار المتوسطية بتونس سنة 2014 تصحيح التصور السائد عن الحياة الحديثة ونشأتها؛ حيث الشائع أن المجتمعات الغربية حققت مكتسباتها الحضارية الراهنة من خلال تخطيطٍ عقلاني محض تسليمًا بأن النتائج الاجتماعية والسياسية الحاصلة اليوم في الغرب لم تفارق شيئًا من تخطيطه لا بالزيادة ولا بالنقصان، ويحكم الكتاب بأن هذا التصور تصور غير دقيق وهو أقرب إلى الأسطورة منه إلى الحقيقة، وإن كان الكتاب لم ينف حصول هذا الأمر نفيًا مبدئيًا؛ إلا أنه رأى في اقتصار التصور عليه تجاوزًا للحقائق الفعلية التي لم يشكل فيها العقل المحض إلا جزءًا بسيطًا من جملة المخاضات والتحولات.

إن أول اجتزاء يقع فيه هذا التصور، هو تخيل مبدأ العقلانية مبدأ جاهزًا تتبناه جموع الناس وتسقطه على حياتها بمجرد الاختيار والرغبة كالبذلة الجاهزة للتحلي بها في محفل الحياة بين الأمم دونما مقدمات تاريخية ولا تدرج في إنزالها من الفكر إلى الواقع، فلاشك أن الحياة الحديثة في المجتمع الغربي تتمحور حول مظهرين رئيسين هما:

  • الحرية الفردية المطلقة في الاختيار المعنوي والمادي من الأسرة إلى الدولة.
  • العقلانية في تنظيم الحياة الاجتماعية والسياسية من الأسرة إلى الدولة.

وبصرف النظر عن الاتهامات الموجهة من الداخل الغربي نفسه إلى تلك المظاهر وما يعتورها من نقائص فضلًا عن التشكيك الحاصل داخل المجال الفكري الغربي نفسه عن محدودية الحرية المزعومة وقصور العقلانية المدعاة من جهة وأنها في النهاية حرية وعقلانية غير مطلقة وإنما مقيدة باعتبارات مصلحية وأيديولوجية معينة لم تُحَصّن الإنسان الغربي عن الاستتباع والاستعباد من جهة أخرى، فإننا سنأخذ المعطيين من زاوية فعاليتهما في الواقع وأن المقارنة بين الحياة الاجتماعية والسياسية في الغرب مع غيره من المجتمعات تفصح بديهيًا عن فروق هائلة لا يمكن تجاهلها؛ إذ وعلى أقل تقدير نجد أن الحرية والعقلانية يحققان وعودهما في الفرد واقعيًا من خلال ضمان الكرامة ومن ثم الرضا المعنوي كانعكاس لتحقق الرفاه المادي وتلمّس الإنسان نيله لحقوقه.

وأطروحة الكتاب البديلة تسعى لبيان أن العقلانية المزعومة لم تكن إلا لقبًا تم خلعه على الحضارة المعاصرة، بينما تحوز كل حضارة منطقها، أعني عقلانيتها الخاصة بها، وأما تميز الحضارة الغربية بالمنهج العلمي والتطور التكنولوجي فلا يمكن أن ينظر إليه إلا على أنه إرث إنساني مشترك لم يتأت إلا ثمرة لجهود الحضارات السابقة.

وأن الحرية والعقلانية المزعومين ليسا خاصين بالحضارة الغربية المعاصرة؛ بل هما شرطان لكل حضارة عندما تبلغ أوجها، وأنهما -وهنا بيت القصيد- لا يتحققان في المجتمع إلا كصور ونماذج تقوم على الإيمان العاطفي وليس للعقل علاقة بها إلا كعلاقة الزجاج بالجليد! وعلاقة الشجاعة بقلب الأسد!

هكذا ينطلق الكتاب من تقرير حقيقة أساسية مفادها أن الجموع كائن مستقل بذاته يقوم بصهر إرادة الأفراد داخله بما يسلبهم إرادتهم ويفك عنهم الحدود الأخلاقية والطبقية فيتحرر الجاهل والحسود والأبله من الشعور بالدونية كما تتهاوى الحدود بين الفلاح والطبيب والحرفي والأستاذ، متحدين نحو غاية واحدة تكمن في سعي الجميع إلى تحقيق مطالب تمس الحاجات المباشرة، وما أن تتحقق المطالب حتى تنفك الرابطة وتعود الفروق إلى الظهور من جديد.

وتتميز الجموع بالعفوية في تصرفاتها وأن ما تنجزه لا يكون مخططًا، وأنها لا تهتم كثيرًا بالحجج العقلانية؛ بل وتميل إلى تصديق كل ما هو عجيب وخارق سواء كان قصة تحكى أو حلمًا يراد تحقيقه؛ “فالجماهير تشبه إلى حد كبير حالة النائم الذي يتعطل عقله مؤقتًا ويترك نفسه عرضة لانبثاق صور قوية ومكثفة جدًا… ولما كانت الجماهير  غير عقلانية فإنها لا تعرف معنى المستحيل أو المستبعد حدوثه؛ لذلك فإن الجوانب السحرية والأسطورية هي التي تدهش الجماهير وتؤثّر عليها” ص 39.

وعلى أساس تلك الدوافع اللاعقلانية بنيت الحضارة الحديثة على غرار باقي الحضارات، ولم يكن ما سمي بمشروع التنوير العقلاني لينجح لولا استعانته بالأدباء والخطباء والفنانين الذين قربوه إلى الجمهور في شكل صور بسيطة جدًا كثيرًا ما تختزل أفكار التنويريين إلى حد تشويه وتحريف مقاصدهم، فضلًا عن انتظارها ردها فترة طويلة لتتحقق على أرض الواقع، ذلك حسب الفرنسي غوستاف لوبون الذي بني مخطط الكتاب على هدي من أفكاره الواردة في كتابه روح الحشود؛ فالتعايش والتسامح المثالي لم تعرفه أوروبا إلا بعد الحرب العالمية الثانية أي ليس قبل ثلثي قرن من الآن، والذي بلغ تمامه فيما يعرف بالوحدة الأوروبية فيما لا يزيد عن ربع قرن من الآن.

لذلك؛ فإن خلاصة مشروع التنوير الأوروبي فكرة واحدة وأساسية جوهرها توحيد الشعوب نحو غاية واحدة ومحددة، وأن مقولة عدم اكتمال مشروع التنوير الأوروبي تجد معناها في تحسس الفكر الغربي انهيار العوامل العميقة لتلك الوحدة وانتهائها على المستويين النفسي والروحي، وأن ما يحصل راهنًا في عمق الجسد الاجتماعي الغربي هو بلوغه درجة من استنفاذ للمخزون الحضاري المتراكم لما كانت تقوم ببنائه منذ قرون متطاولة والتي يمكن إحالتها إلى محاولات توما الأكويني للجمع بين الوحي والعقل منذ القرن الرابع عشر الميلادي ووصولًا إلى ظهور النظرية النسبية منتصف القرن العشرين، وهي النظرية التي حملت في صلبها الفكر النيتشوي الذي لا يعتقد بشيء اسمه الحقيقة، وما الحقيقة في عرفه إلا كذب مفيد، وأن لا شيء مطلق وكل شيء نسبي بما فيه الإنسان وقيمه.

الواقع أن فترة التحول تلك كانت إنهاء لأوهام رجال الكنيسة والإقطاعيين من أجل بناء أوهام جديدة في شكل صور إيمانية وعقائد دنيوية تشكلت كلها حول سردية مركزية هي العلمنة التي برزت بوصفها التعبير الأكثر جزالة عن  نزعة دنيوية مفرطة ارتبط تصورها للدين بممارسات رجاله الذين وقفوا حائلًا ضد تحرر الشعوب الأوروبية، وفي ذلك جاء هذا التصوير الدقيق لأحد كبار الأدباء قاصًا عن نفسه: “فبعد أن أضاءته أنوار العقل يومًا ما، فإنه كسر صورة الآلهة والقديسين التي كانت تزين هيكل مصلاه الصغير وأطفأ الشموع، لكن ودون أن يضيع لحظة واحدة فإنه استبدل بالصور الممزقة مؤلفات بعض الفلاسفة الملحدين، ثم عاد من جديد إلى إشعال الشمعات!” ص 45.

هذه الصورة الأثيرة لدى المؤلِّف، تكتنز مخزونًا تفسيريًا هائلًا محوره أن معيار العقلانية يتحدد ضمن الفضاءات الاجتماعية وسياقاتها التاريخية، أعني أن السرديات السائدة في لحظة تاريخية ما هي التي تحدد معنى العقل ودلالاته، وأن الصورة أيضًا تنطبق على المستوى المجهري؛ إذ ما من شك أن تكون قناعات الأفراد الذين يغيرون نحلهم بين الفينة والأخرى قد تغيرت، لكن ذلك لا يعني أبدًا أنهم خرجوا عن “إطار الاعتقاد” إلى مجال العقل والدليل، أعني أن ادعاء الخروج من الظلام إلى النور أو من نور إلى نور أجلى منه أو حتى توهم الإنسان أن قناعاته في تقدّم وتحسن إنما هو محض وهم، ذلك جوهر العدمية النيتشوية الذي يكمن في غياب المعايير أو فقدانها كما عند دوركايم، فهل من معيار  يثبت أن الإنسان في تطور ضمن مسلكه العقائدي أم أن الأمر متروك على الغارب؟

يحيلنا السؤال إلى ما ورد في الكتاب من محاولة مقارنة بين موضوع الجمهور عند غوستاف لوبون وبين مسألة العصبية عند ابن خلدون، وذلك بدءًا من اعتبار المفهومين الترجمة الموضوعية لروح عصري الرجلين، وأن العلاقة بينهما علاقة تحول زمنية؛ إذ وبعد انتهاء تاريخ العصبيات التي شكلت مبدأ قيام عصر الدويلات في التاريخ الإسلامي، تشكل عصر مبدأ الجماهير بعد نهاية تاريخ العصبيات في أوروبا، حيث الفارق الأول يكمن في أن الجمهور يأتي كبديل عن تفكك العصبيات، تمامًا كما حصل في العهد الأول للإسلام؛ حيث تفكك الروابط الدموية والانزياح إلى عهد الرابطة العقائدية، كما تمثله عملية المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في المدينة.

ذلك ما يحيلنا إلى الحقيقة الحضارية التي تنص على أن العهد الأول لكل حضارة يتأسس على عنصر الروح الذي فيه تختفي دوافع الغريزة ومخططات العقل، لحساب عواطف وصور مجيدة تشكل البنية النفسية والعقائدية لإنسان أي عصر من العصور، ذلك الذي يغيب عن أذهان الكثيرين عندما ينبرون لمحاكمة أفعال وتصورات عصر ما بمنطق عصر آخر بحيث يصل بهم الأمر في الكثير من الأحيان إلى إنكار النصوص التي تخبر بحصول هذه الحادثة أو تلك بدعوى عدم تناسبها مع معطى العقل، بينما يغفل عن حقيقة أنه قبل فقه النصوص يأتي فقه العمران، تمامًا كما قدّم ابن خلدون الدليل العمراني على الدليل الروائي في تحقيق أحداث التاريخ، فإذا صح الدليل العمراني انخرم مبرر النظر في الدليل الروائي، ذلك الذي يجعل من نُفاة النصوص ومفنديها محتجزين داخل النص؛ لأنهم لم يدركوا أنه قبل الارتماء في مضامين النصوص والانغماس في التصحيح والتضعيف لابد أولًا من إخضاعها لقوانين العمران.

فلو أضفنا منحنى الحضارة عند مالك بن نبي الذي يقسم مسار الحضارة إلى ثلاثة أقسام رئيسة؛ هي: الروح والعقل والغريزة، لبدى أن تطبيق الدليل العمراني ممكن حتى في تمحيص الرواية، وأنه ليس بمجرد عدم تناسب الرواية مع “منطق العصر” يعني تهافتها.

وفي شأن الحضارة الغربية قرّر الكتاب أنها قامت على أسطورة مركزية هي العلمنة بوصفها محورًا لكل تفاصيل الحداثة فضلًا عن أن العلمنة تاريخيًا كانت الحل الاضطراري لا الاختياري للحضارة الغربية عندما أعدمت في نصوص الأناجيل المتعددة أي إمكان لإعطاء النفخة الدينية الممكنة للحيوية العمرانية التي عرفها الغرب في تلك اللحظة؛ فكانت المفاصلة الصريحة والأصيلة حتى تبلغ المقدمات التاريخية مداها ونتائجها الحتمية.

ولم تأت العلمنة كما يُظن كترياق شافٍ لسمّ التعصب؛ بل جاءت أساسًا كعلاج بديل يمنح الشرعية للتدخل البشري في قضايا التشريع وتأسيس القيم والوصاية عليها بما فتح المجال على مصراعيه للتنافس في مجالات القانون والاجتماع والسياسة، ولم يأت الدينان الوضعي والماركسي اللذان استحوذا ضمن حقبة طويلة من الزمن على الأطر المعرفية الغربية (ونظيراهما العمليان: الرأسمالية والاشتراكية، النموذجان العمليان المتنافسان ضمن الحضارة الغربية) إلا ضمن إطار التنافس ذاك تحت مسمى العلمنة، ومنه ظهرت العقائد الصغرى المنضوية تحتها بدءًا من الحدود القطرية ووصولًا إلى قوانين الأحوال الشخصية كبدائل تشريعية وقيمية، ومن ثم فإن علاج العلمنة للتعصب لم يأت إلا عَرَضًا.

وبعكس المنحى الدنيوي للحضارة الغربية جاءت الحضارة الإسلامية مرتبطة بالسماء وحيًا يتنزل مباشرة على النوازل يعالجها مقررًا بعضها ورادًا الأخرى في لقاء تفاعلي غير مسبوق ولا متبوع انتهت بصناعة أسس للحرية والعقلانية تنهل من معين الوحي نفسه الذي قاد بمعية الإمارة المحمدية إلى بناء سرديات قوامها العمل لما بعد الدنيا وعلى أساسها بني مشروع البلاغ الكوني من خلال الفتوحات.

فالمبدأ العقدي الإسلامي صاغ الذهنية التوسعية للإنسان وفقًا لفكرة المسؤولية على العالم بحمل الأمانة وإيصالها للبشر في أرجاء الكون أينما كانوا، كفكرة مجردة عن كل طموح دنيوي من حيث الأساس ومن ثم فمن غير الموضوعي المماثلة بين التوسعين الإسلامي والغربي إلا في ظاهر الأمور، هذا الظاهر الذي هو القوانين الشاملة للحضارات؛ إذ التوسع هو الشرط الملازم لكل الحضارات الناهضة بعد استكمال قوامها الداخلي، حيث هنا المفارقة مع الحضارة الغربية أنها قامت فكرتها عن التوسع على أساس حمل الإرث الغربي الروحي ونشره في العالم، هذا الإرث الذي تأسس على فكرة دنيوية مفرطة النزعة.

فلا يجب أن تحجبنا بعض الحقائق الظاهرية عن الوقوف على جوهر الفلسفة السياسية لكلا الحضارتين، ذلك أن الفارق بين الغايات الظاهرية للحكم وغاياته الروحية قد لا يكون جليًا؛ نظرًا لوحدة قانون مسار كل الحضارات: روح، عقل، غريزة. فهو قانون لا ينبئ عن الاختلاف في الجوهر، فضلًا عن أن تحقيق الرشادة في الحكم ضمن جدلية الظلم والعدل ليست تختص بها حضارة دون أخرى، ففي تاريخ كل حضارة يحصل الظلم والعدل بدرجات.

ومن ثم كان الجمهور في منطلق الحضارة الإسلامية مرفوقًا بتأطير غيبي مباشر يقابله في الحضارة الغربية تأطير بشري مُفرط تتجاذبه الرغبات البشرية المتخفية وراء مبدأ العلمنة ليؤسس منذ بدايته للمأزق الراهن الذي تعيشه البشرية جميعًا، حيث ابتدأت بالتوحيد الدنيوي ضمن الأطر القومية الكبرى وتنتهي اليوم في أطر التعدد الدنيوي ضمن نموذج القبائل المتشاركة في الأذواق، التي هي بمثابة عصر الدويلات وما بعدها في تاريخ الحضارة الإسلامية الذي يأذن بعصر الانسحاب من الروحانية التوسعية الدافعة إلى الروحانية الانكفائية الجاذبة.

نُشر أول مرة في صحيفة التقرير الالكترونية، الرابط: altagreer.com/د-محمد-عبد-النور-حول-سرديات-نشأة-الحضار/

داخل مؤلفات
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029159
اليوم : 42
الأمس : 120
هذا الشهر : 1530
هذا العام : 19449
مشاهدات اليوم : 437
مجموع المشاهدات : 110109
المتواجدون الآن : 1