حول مفهوم الإجتهاد في الإسلام

1- طبيعة الاجتهاد ماهي؟ وما معنى غلق باب الاجتهاد وكيف نستأنفه؟ 

في إطار سلسلة الشروح والتعاليق على ما هو مبثوث في أعمال الأستاذ أبويعرب المرزوقي ونجد فيه مسائل مركزية يهم استخراجها ومحاولة الدفع به إلى الأمام نقدّم هذه الدراسة القصيرة عن مفهومه للاجتهاد كما صاغه في كتاب فلسفة التاريخ الخلدونية، نعرض أولا للمفهوم الذي استقاه من القرآن ونعرج بعد ذلك إلى غلق باب الاجتهاد وإمكان فتحه.

1- مفهوم الاجتهاد في القرآن الكريم:

لم ترد كلمة “اجتهاد” في نص القرآن الكريم، إلا أن معانيها تشكل مضمونه الأساسي، ومصدر الكلمة مشتق من مادة (ج.هـ.د) التي منها كلمة “جهاد” الواردة في القرآن بمعنيين: الجهد الفكري والجهد المادي، ومنها قوله تعالى” {وإن جاهداك لتشرك بي} بمعنى اجتهاد الأبوين في إقناع أبنائهما بخيار عقدي يريدان فرضه عليهم أي باستعمال وسيلة إقناع قولية (المنطق)، وهذا يؤشر إلى إمكان ورود مفردة الجهاد بالمعنى الفكري، وقرينة ذلك أننا نجد بعض الآيات تتحدّث عن (الجهاد في الله) دون توسط مفردة “سبيل” بما هو “عموم ومباشَر” دالين على عدم الاقتصادر على الجهاد المادي، أما الآية الحاسمة فهي الآية رقم 52 من سورة الفرقان: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا} بمعنى أن يكون القرآن نفسه وسيلة المجاهدة، “وذلك هو جوهر الاجتهاد النظري والعملي لأن القرآن ليس سيفا أو أداة مادية للجهاد بمعناه المتعارف بل هو حجة (جدل) وأخلاق (تربية)” ص 99.

والمعلوم أن فعل الجدل في الخطاب القرآني يحدد منهج التربية العقلية (نظام القيم المعرفية) كما يحدد منهج التربية الإرادية (نظام القيم الخلقية). وإذن فالتربية تربيتان متعاضدتان لا يغني أحدهما عن الآخر، وذلك ما يهمله المسلمون اليوم أعني التربية العقلية المستمدة أصولها من القرآن الكريم فيندرجون في تربية خلقية خاوية من مضامينها الحيوية التي تضمن شروط الاجتهاد السوي بما يؤدي إلى “فساد معاني الإنسانية” بالعبارة الخلدونية التي أولى مبادئها الحرية النفسية والخلقية، فالخطاب القرآني إذن جامع لشرطي الاجتهاد (المعرفي والخلقي) الذي يكفل ضمانة التوجيه الذي يغني عن تواصل الوحي وبه يصير كل فرد مسؤول عن نفسه: {بل الانسان على نفسه بصيرة}، القيامة الآية 14.

2- معنى توقّف الاجتهاد وإمكان الاستئناف:

ولما كان الفارق جليا بين تصور (الفكر الاجتهادي) وواقع (الاجتهاد اليوم) صار ضروريا فهم معنى “توقّف الاجتهاد” ضمن إطار العلاقة بين الحقيقتين التصورية الواقعية للإجتهاد، بما يقضي بتجاوز فكرة “غلق باب الاجتهاد” وتوهمه وكأنه أغلق إراديا، فهي إذن دعوى كاذبة، ذلك أن (الفكر الاجتهادي) لا يمكن أن يغلق إراديا، لكن الأمر مرتبط بجفاف الأصول التي بُني عليها الاجتهاد الذي توقّف بعد بلوغه “حالة استنفاذ” (الرمق الأخير بلغة أبي يعرب) تمثّلت في (فقد الوعي) بشروطه.

لم يعد إذن الذهاب بالاجتهاد إلى أكثر مما وصل إليه بسبب توقف البحث في خطط استثمار منبع الاجتهاد، فنكون أمام معاني (توقف البحث) في (خطط) (استثمار المنبع)، فالأمر إذن متعلق ليس بتوقف الاجتهاد لكن بفقدان شروطه، أي بانعدام الوعي بطبيعة الاجتهاد كيف يتحقق وكأنه إضاعة لمفاتيح الباب أو حتى تيه في طريق السير للوصول إلى الغاية، وكأن انسداد حصل في المنبع وليس جفافا في العين التي يصدر منها المنبع، ذلك أن انسداد النبع لا يعني جفافه من المصدر وهذا الذي حصل عندنا من توقف الاجتهاد.

والمقصود بالمرجعيات هنا التي هي المنبع: 1- الرمزية (النص الديني والنظرية الفلسفية) 2- المادية (ظواهر الطبيعة) 3- الجامعة بينهما (الأحداث التاريخية والتقنيات)، وهي مرجعيات تبقى دائما نسبية فـ”أسس البناء نسبية إلى البناء فإذا أردنا بناء من جنس مختلف [عن المعتاد] كان لابد من إعادة النظر في الأسس”. لكن لا يُظنّ أن القصد بنسبية المرجعيات (التي هي عين المنبع) أنها نسبية تنسحب أيضا على (مصدر المنبع ذاته) ذلك أن لكل المرجعيات المتقدّمة قوانين ثابتة في جوهرها:

3- الآليات الأربع لاستئناف الاجتهاد.

1- النص الديني: في الإسلام خاصة الذي نعتبره النص المقدّس الأوحد الذي بقي بحوزة البشرية، وذلك لعدم تعرّضه للتحريف، وذلك باعتبار التحريف هي الحقيقة التي تحيل النص إلى نص إنساني لا مقدّس ومن ثم تزول عنه حقيقته الدينية على أن القدسية تزول عن الاجتهادات التأويلية للنص. 2- النظرية الفلسفية: الصادرة عن قوانين عقلية منطقية ورياضية مطلقة صاغها خاصة الفيلسوف إيمانويل كانط مع إمكان لتقدّمها وتصحيحها كما يحاول آبال في درس قوانين التواصل المتعالية بين العقول ومن ثم استكشاف كائن يتجاوز العقل الفردي إلى العقل الجمعي بوصفه كائنا ذا قوانين.

3- ظاهرات الطبيعة: ذات القوانين الثابتة على اعتبار أنها ليست هي حقيقة الطبيعة والتاريخ ولكنها ما فهمه العقل البشري عن تلك الظاهرات فصاغها قوانين كما تشير إليه عبارة انشتاين بأن قوانين الطبيعة بمثابة زهرة النرد التي يتغير وجهها كل مرة في إشارة إلى فيزياء الكوانتا القائمة على النسبية المطلقة.

4-  أحداث التاريخ: بوصفها لا تناه من الوقائع يمكن حصرها ضمن إطار من الاحترازات الفائقة التنبه إلى خطر التحيز بمعناه الكلي الذي يهدد النظر في حقائق الوقائع الإنسانية كما صاغها ابن خلدون في فلسفته للتاريخ البشري باعتبار إمكان تطويرها إلى درجة يمكن معها تطوير الطبيعة البشرية في التنبه إلى الحقائق التاريخية بفضل عملية عكسية يمكن من خلالها يمكن تطوير قوانين إضافية تنتج عن الجهد المبذول في التنبّه الفائق للوقائع، وطبعا تطوير الطبيعة البشرية هنا من باب المجاز لا من باب الحقيقة، ذلك أن الأمر متعلّق باستكشاف المكنون في قدرات العقل البشري.

5- التقنيات: بوصفها لا تناه من المنتجات الحضارية تخضع لمبادئ علمية تجريبية محصورة العدد والتي أدخلت وستدخل الإنسان في تجارب بديعة لا تخطر على البال بوصفها امتدادا لاتحاد الطبيعتين: العقل البشري والطبيعة الكونية على أن لا تكون لها نهاية باعتبار استكشاف مكنونات الطبيعة غير المتناهية. ولله الحمد. محمد عبدالنور عن أبي يعرب المرزوقي من كتابه “فلسفة التاريخ الخلدونية” وباجتهاد إضافة.

2- آليات التعامل مع التأويل التاريخي للنص وتطور الفكر الإنساني الراهن

انتهينا في الشذرة السابقة إلى الوقوف على مفهوم الاجتهاد القرآني ودلالات توقّفه وآليات استئنافه، ونعرّج اليوم على الكلام في تفاصيل استثمار المنبع الأول الذي هو النص الديني الخالد وشرح كيفية التعامل مع التراث الديني، أو الاجتهاد التاريخي، من الوجهين السالب، أي التحرر من الارتهان إليه بحكم ظرفيته ونسبيته البشرية، والموجب من خلال استثمار الاجتهادات التاريخية وإحالتها إلى دافع حيوي على الاجتهاد خاصة من خلال منظور المذاهب واختلافاتها فقهيا وكلاميا فضلا عن ضرورة ارتباطها بمنجزات الفكر الإنساني الراهن.

1- أدوات استثمار المنبع في استئناف الاجتهاد:

واضح أن الانطلاق في استئناف الاجتهاد يقتضي أن يكون من النص الديني  بميزته الرئيسة التي ذكرنا وهي محفوظيته التي لا يشاركه فيها نص آخر، فتكون البداية من علوم القرآن المستثمِرة للنّصين (القرآن، والسنّة بعد تحقيقها) ويتفرّع عنها استثماران متسلسلان: فِقهي ودعَوي.

فأما الفقهي فينقسم إلى المعاملات والعبادات التي منها يتفرّع التصوف، ولعلّ القسمين كذلك مرتبطان وجوديا بالنفس إذ تتعذّر المعاملة السوية من إحسان وأمانة مع الغير دون عبادة سوية من خشوع وإخلاص مع الله، لذلك احتوت المعاملةُ العبادةَ في الحديث الشهير المنسوب للنبي صلى الله عليه وسلم {الدين المعاملة} فالإحسان والبر العملي يهدي لحسن التعبّد عقديا، أوبمعنى آخر أن السالك المجاهد لنفسه سينتهي به الأمر وفقا للقانون القرآني: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} هداية السبيل بمعنى أي إصلاح التصورات لتحقيق السلوك الحسن، إذن فإصلاح التصور مبدؤه المجاهدة، والمعلوم أن المجاهدة أمر عملي يقتضيه التفاعل الحي بالحياة الاجتماعية فلا رهبانية في الإسلام وهنا مربط الفرس في مسألة المجاهدة التي مقتضاها بذل الجهد في سبيل تقديم أفضل معاملة للغير، وذلك المجموع الدلالي لسورتي المزمّل (القائم في الليل) والمدثّر (القائم بالنُّذُر)

بينما يجمع الاستثمار الدعوي بين قسمي الفقه المتقدّمين المعاملة والعبادة، إذ تتعذّر دعوة حقيقية وفاعلة دون مجاهدة للنفس، لذلك فالدعوة إلى الله فعل تال لمجاهدة النفس ولا يأتي بعدها إلا ما كان آثارا انعكاسية بعد أداء الفعل الدعوي، لكن الترتيب المطلق يقتضي أن تكون مجاهدة الذات البداية، وذلك معنى الجهادين الأكبر والأصغر، فالدعوة هنا بمثابة “معركة رمزية” في تأسيس وتكريس القيم الاستخلافية على الأرض، لذلك فإن أفضل دليلين على فقدان الدعوة راهنا لمقوماتها هو ارتباطها بثلاث مفسدات مطلقة لها: أولا، النجومية الإعلامية حيث صار الداعية محل تنافس القنوات التلفزية لاستقطاب المشاهد إذ انقلبت الآية فصارت نجومية الداعية لا مضمون خطابة محل تنافس، ثانيا: تحول الدعوة إلى مجال استثمار مادي صرف، فانظر كم تتخلل البرامج الدعوية من فواصل إعلامية يكاد يعادل وقتها زمن الحصة الدعوية نفسها فضلا عما ما يجنيه الدعاة من أموال خيالية حتى صارت أرباحهم المعلومة محل متابعة إعلامية، فلم يكن ذلك ليحصل لولا تحول الدعوة إلى بضاعة رأسمالية تتدخل فيها الشركات المالية والتجارية بشكل سافر، ثالثا، وأخيرا المواقف التي تجاري طغاة السلاطين والأمراء، وكل ذلك سينعكس لا محالة على مضمون خطابهم الذي أقل ما يقال عنه فجّ ركيك يعبر عن فقدان شبه تام للمجاهدة وآثارها.

2- الفقه والكلام “غرفتا عملية” إصلاح الأعطاب:

وينتج عن القسمين كذلك، استثمار الاختلاف الفقهي بين المذاهب لعلاج القضايا بمناظير متعددة، وهذا يعني أن لكل مذهب فقهي جوهر مقاصدي في تقديمه أولويات شرعية على أخرى وهذا ما يقتضي ضرورتين:

1- ضرورة إلمام الفقيه المعاصر بفقه المذاهب الأخرى –غير مذهبه- خاصة بالجوهر المقاصدي لكل مذهب، وهذا يعني أمرين كذلك، أولا العودة إلى المنشأ التكويني لكل مذهب لاستكشاف مبادئه ذلك أن الاختلاف الفقهي مردّه أساسا إلى المبدأ التاريخي المؤسس لكل منها والظروف التي أحاطت به، وثانيا: استكشاف القوانين المتحكمة في إنتاج النص الاجتهادي التاريخي حتى يكون التجاوز تجاوزان تجاوز المذاهب واحدا واحدا ومن ثم تجاوز الظرفية التي أنتجت المذاهب والتموقع ضمن الظرفية الراهنة بكل ما تحمله من تعقيدات وتطورات تخص واقع البشر وفكرهم، وهنا تحديدا نصل إلى حدود الفقه الشهودي والوقوف عند حدود العقل المحدود، لأن ادعاء حمل الماضي إلى الحاضر مع الحفاظ على التحرر من ظرفية الماضي هو ضرب من الحجود الذي يكلّف العقل ما لا يطيق.

2- العمل على استثمار المذاهب ليس بوصفها انتماءات نفسية بل باعتبارها آليات عقلية ناتجة عن خرائط معدّة سلفا للوصول إلى الأحكام والتشريعات الاجتهادية، وهذا ما يجعل منها “سنّة ثانية على سنن الدين الأصلية”، ولما كان معنى “ثانية” تحمل الدلالة العددية، واحد واثنان، والدلالة اللغوية ذات المعنيين المتعاكسين اقتضى الأمر إصلاحا يجعل الثني ثني إتمام واجتهاد (فهو ثني على) لا ثني إعراض واستبدال (وليس ثنيا عن)، بمعنى أن لا تكون السنن المذهبية صادّةً عن السنة الأصلية، والسنة هنا بالمعنى العام الأشمل الصادرة عن النبع كما تقدّم، سنن معرفية وسنن خُلقية، الأمر سيحيل إلى أن يكون الاجتهاد في الإسلام سنًّا وجمعًا بالتعبير اليعربي، فالسنّ تعبير عن حالة اجتهاد مطلقة للمجتهد المعاصر لا يتقيّد بالماضي إلا بما يستحق الثقة العقلية، والجمع تعبير عن مضمون السنّ الذي يكون جمعا للأمة على حدّ أدنى من المشتركات التي تضمن تحقيق التكليف الإلهي في إرساء وترسيخ قيم الاستخلاف النظرية والعملية.

طبعا سنّ وجمعٌ مرحلي انتقالي من الافتراق والتشرذم إلى وضع من الاتحاد الأدنى للمسلمين الذين سينتهي اجتماعهم في النهاية إلى”القِبلة” بوصفه الغاية الأتم والنعت الجامع المانع لكل من سعى إلى الإخوة الإنسانية ورعاية العالم، ومن ثم كان تعبير “أهل القبلة” جامعا لكل الموحّدين المؤمنين بمعاني الرسالة الخاتمة بما هي (وحي خاتم للوحي) وأن شريعته لا يمكن أن تضاهى بأي تشريع إلا بما كان اجتهادا عاملا على استكناه مكنونات الكتاب والطبيعة.

وأخيرا يعرّج بنا أبويعرب إلى استثمار الاختلاف الكلامي أو الجدل التاريخي بين النحل الإسلامية بوصفها أدوات حجاجية غايتها الدفاع عمّا تتصوره حقائق نهائية، إذ توظّف في ذلك وسيلتين هما الخطابة والمنطق، فلا شك في البراعة التي كانت تتصف بها الفرق الكلامية وممثليها في عرض آرائها الكلامية في مرحلة كانت تسعى فيها المذاهب الفقهية للتوسع على امتداد العالم الإسلامي، فإذا كانت الخطابة فن من فنون الإقناع يعتمد اللغة أساسا في التواصل باعتبارها الوسيلة الشكلية -التي صارت تشكل راهنا لباب التفكير النقدي في الفكر الإنساني من خلال ما عرف بالمنعرج اللغوي- التي تعضدها الوسيلة المضمونية التي هي المنطق مدّعية في ذلك كله وصلا بالعقيدة الأتم والأصلح، فكان اقتضاءً خضوع الآراء الكلامية للتصنيف وفقا للمنطق الحديث الذي سيكون بالضرورة حَكَما على نظيره القديم فلا معنى أو جدوى من أن يكون الحَكَم من جنس المحكوم عليه.

3- الفكر الإنساني والطبيعة والتاريخ آيات للفكر الإجتهادي:

إن تحقيق ما تقدّم يقتضي طبعا الانفتاح على الإضافات الثرية التي حققها الفكر البشري راهنا والمتمثلة في إقحام الرياضيات والاستقراء الحديثين أيضا والمتجاوزين لنظيريهما القديمين اليونانيين خاصة وهو الفكر الذي أثر سلبا في الغالب الأعم على كل الاجتهادات الكلامية والتي لابد انعكس حاصل صداها على الممارسة الفقهية ومن غير وعي غالبا، وذلك كلّه انطلاقا من دعوى خلود القرآن ومكنونيته، إذ من الضروري أن يكون على المُنطلِق من العلوم الحديثة في مجرد “الدعوى” والتي لا تلبث أن تصير “يقينا” بل وتنقلب الآية ليكون القرآن مرجعا يستند إليه العقل.

لذلك فقد تراءى أن تجاوز حالة الركود الحضاري الراهنة في الاجتهاد سببه الابتعاد عن مبتدعات الفكر الإنساني التي كان المسلمون روادا لها في حقبة الاجتهاد، وهذا يكفي دليلا على الضرورة الملحة في الانفتاح على المنجزات الحديثة وعدم الوقوف عند مجرد تشهيات يخلقها فينا مجرد إحساس بالبعد عن المنجز الحضاري الراهن فضلا عن أن نسمع ونرى دعاوى تحريم المنطق ومجرد إعمال العقل بملء الوجه والفم!

فيرى أبويعرب أن “أزمة الفكر الإسلامي الذي لا يكون إسلاميا حقا إلا إذا كان اجتهاديا هي أنه تصور هذه الاستثمارات مستندة إلى أصول قطعية وضرورية ونهائية” ص 101، ذلك أنه لا يمكن للحضارة الإسلامية أن تجاري الحاصل في الحضارة الإنسانية إذا لم تكن أكثر منها جرأة في استئناف التأسيس من رأس، وواضح أن أبايعرب لا يطلق كلمة “جرأة” من فراغ، ذلك أن الجرأة ليست على مجرد محيط أرثوذوكسي متسلّح بأدوات القوة المادية لكنها أرفع من ذلك بأن تكون جرأة على الذات واحترازاتها بالمعايير، إذ المعلوم أن بلوغ حدود الإبداع يقتضي السير في ما يشبه على الحبل حيث لا ضامن إلا الوعي والضمير المتيقظين انبتاتاً عن كل حامل تاريخي واجتماعي أو ثقافي، ذلك الذي هو الأمة بحاجة إليه، وهو على شقّين خلقي ومعرفي.

فهو خلقيا التمييز بين عين المنبع ومصدر النبع حتى يمكن التحرّر من ورطة النصوص التأويلية المتوسطة بين الوحي والإنسان ومن ثم التعريج إلى تفقّه آيات الطبيعة وعبارات التاريخ، وهو معرفيا، الجمع بين استنباط آيات الطبيعة من آيات النص واستنباط آيات النص من آيات الطبيعة وأن الاستغناء عن أحد التوجهين لصالح الآخر هو دليل أزمة فكرية و دخول في “حالة استنفاذ” لزم تجديد شرايينها سواء في النظر أو في العمل، والله الموفق.

نشر أول مرة على موقع أبويعرب المرزوقي

شذرات من فلسفة الإستخلاف: الإجتهاد – محمد عبد النور

داخل شروح
ديسمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

030105
اليوم : 15
الأمس : 83
هذا الشهر : 365
هذا العام : 20395
مشاهدات اليوم : 51
مجموع المشاهدات : 112397
المتواجدون الآن : 1