علاقة العقيدة والميزان بفاعلية الأمة

الإسلام كل متكامل، والتكامل ليس في تحقيق تصور مجرد شامل عنه، إنما التكامل يحصل بين التصور الصحيح والموقف السليم، ذلك أن الإسلام دين فاعلية دنيوية بالأساس، وعلى ذلك أيضا هو في جوهره روح نقدية لتاريخ العالم (الديني والطبيعي) وتوجيه للتناغم معه، إذ هو بالإجمال عناية بالإنسان ليكون متوافقا في تكوينه مع أصالته الوجودية، ولما كانت أهم المفاهيم المكونة للوجود الإنساني عامة ترتبط بالعلاقة بين التصور والسلوك، جاء الدين الخاتم تشريعا يتراوح بين الشعائر التعبدية المقومة للسلوك الفردي والمواقف الأخلاقية في القضايا الكبرى للحياة، والمتعلقة أساسا بمسار الجماعة الإسلامية ومصيرها، وبوصفها شاهدة على الإنسانية جمعاء.

لذلك كان الكلام في الميزان حديثا عن المعايير المقومة للسلوك الإنساني، لكون السلوك هو غاية التصور وهدفه، إذ لا معنى للتصور دون تعضيده بالسلوك القويم، لذلك ستكون غاية هذه الدراسة القصيرة بحث العلاقة بين الشعائر التعبدية والمواقف الأخلاقية، فواضح أن الإسلام ونصه المؤسس عُني بالجانبين معا، فنجد الحديث النبوي المتعلق بترك الصلاة {ليس بين العبد والكفر إلا تركه الصلاة} إلى جانب حديثه عليه الصلاة والسلام عن العناية بأمر المسلمين {من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم}، أي أن شأن المسلمين هو مسؤولية خاصة بكل مسلم يضعها على عاتقه، متيحا له لتصرف وفقا لدرجة إيمانه بدءا باليد ونزولا إلى القلب كأضعف الإيمان، كما نجد القرآن يتحدث عن تعظيم الشعائر في ذات الوقت الذي نجده يشدد فيه على وحدة الجماعة الإسلامية الروحية والنفسية تحت إطار مفهوم الأمة {وأن هذه أمتكم أمة واحدة}.

ذلك أن أهمية العلاقة بين موضوع الشعائر التعبدية والأخلاق الاجتماعية تتجلى في إمكان الغفلة عن إدراك الصلة بينهما، فيختزل الدين إما إلى شعائر منصرفة عن المواقف الأخلاقية أو إلى أخلاق مجردة عن شرطها التعبدي، من هنا تأتي مركزية تحديد معنى الإيمان وترسيم حدوده بوصفه المعيار الذي ينعقد حوله أمر الدين كله، بما هو مسار دنيوي جماعي ومآل أخروي فردي، وسنحاول فيما يأتي جمع أركان موضوع الإيمان والنظر إليها من منطلق شموله للجزئيات الشعائرية والكليات الأخلاقية.

للدخول إلى صلب الموضوع نتجاوز الحديث عن المداخل التقليدية التي تعرف الإيمان على أنه إيمان بالله وملائكته ورسله إلى آخر الكلام المعروف، وننطلق من الحدود التي صيغت داخل الاعتقاد الإسلامي نفسه، وبعبارة أخرى كيف يبقى المسلم داخل حدود الإيمان؟

الواقع أن الحدود التي رسمتها النصوص كثيرة تتراوح بين الشعيرة الدقيقة (كالإتيان بمناسك الحج مثلا) والموقف الجليلة (قول الحق عند سلطان جائر)، حيث المحصلة النهائية منها التأكيد على أن مجرد ادعاء الإسلام أمر لا يكفي بل يترتب عليه التزامات، التزامات بنوعين التزامات شعائرية على غرار الحديث المتقدم عن ترك الصلاة، وكذا الآية {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة}، والتزامات أخلاقية على غرار الآية {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}و {أن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه، ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله}، حيث الأمر هنا ليس تشريعا تعبديا بقدر ما هو موقف، فواضح أن حدود الإيمان تراوحت بين الشعيرة التعبدية والموقف الخلقي، إذ وبغض النظر عن التفصيلات الواردة في ترسيم حدود الإيمان، يكفي استقراء القليل منها لإدراك أن الإيمان في الإسلام يشتمل على البعدين العمودي المتعلق بالعلاقة الفردية مع الله، والبعد الخلقي المتعلق بالعلاقة الأفقية مع الجماعة.

والقصد بالعلاقة مع الجماعة يتجاوز مفهوم “مظالم العباد”، من حيث كونها علاقة الفرد بأفراد آخرين، إنما المقصود به علاقة الفرد بالجماعة المسلمة ككيان موحد ومستقل عن أفراده المكونين له، والتأكيد على العمل لصالحها بتأمين وحدتها أولا وتحقيق مصالحها ثانيا، وذلك ما دلت عليه أصناف الموبقات السبع، أي الأعمال التي تخرج الفرد المسلم من ليس فقط من الإيمان بل من الإسلام، والتي هي جميعها أعمال ترتبط بسلوك الفرد تجاه جماعته، وهنا يجب أن نحدد أن الإسلام ـ إعلانا له لغير المسلم أو ثباتا عليه للمسلم ـ إنما هو مجرد الانتماء للجماعة المسلمة في بادئ الأمر، أما الإيمان فهو إيغال الفرد في الارتباط الروحي بالدين، بما هو تجاوز للحظة التزام الطاعة إكراها إلى لحظة حب الطاعة إقبالا عليها، بما هي طاعة الله ورسوله.

حيث الطاعة لغة الانقياد، وهي في هذا السياق ترويض النفس على حب الأوامر الآتية من الله والرسول، أي أن يكون المؤمن أداة طيّعة في خدمة الأهداف الرسالية التي تصب نحو تحقيق قيم الإسلام التي يعتبر الله ورسوله رمزا لها، فهي أهداف تتجاوز كل تحديد فقهي أو أصولي، أعني أنها أسمى من كل تشريع مباشر تعبديا كان أو خلقيا، وهي أرفع مكانة يمكن أن يبلغها إيماء المرء.

فالطاعة هي ذروة التدرب على التزام الأوامر، حتى ليمكن القول بأنها هي النتيجة المرجوة من كل التحديدات الواردة في النصوص بوصفها سموا إلى مرتبة “فقه الشريعة”، وهو أمر متاح لكل مؤمن بعد التمرن الطويل عليه، وذلك معنى الحديث {لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به}، وكذا الحديث {ما يزال الرجل يصدق، ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صدّيقا}، فالصديقية مرتبة تحرر الإنسان من الانقياد الحرفي في الدين إلى الانقياد المقاصدي، مع ضرورة الإشارة إلى أن بلوغ مرتبة الطاعة في الإسلام لا تُسقِط الفروض التعبدية ـ كما تتصور بعض الطوائف التي تنتسب إلى الإسلام ـ بل هي تدفع إلى التزامها بأفضل من ذي قبل، حتى أن الشعائر لتستحيل إلى تذوق فني تبلغ بالإنسان دلالة {أرحنا بها}، وذلك معنى أن يصير التشريع هوى الإنسان، والمحصلة أن الطاعة هي الحالة التي تتجاوز الفصل بين التعبدي والأخلاقي إلى كونها فقها للمقاصد العليا للتشريع.

ومفهوم الطاعة يعني الانصهار التام للخيار الفردي ضمن الخيار الجماعي في حال كانت شروطه حاصلة، أو العمل لأجل بلوغها إذا لم تكن حاصلة، وذلك استنادا إلى تصور إمكان التصاهر التام بين الإرادة الإلهية المتجلية في التشريع من جهة والتاريخ من جهة أخرى، وكذا أن يحصل في ذات الوقت التصاهر بين الوعي البشري ومقتضيات الظرف التاريخي الذي تعيشه الجماعة الإنسانية، لذلك جاء النص الإسلامي في جزء معتبر منه علاجا لحقيقة علاقة الفرد مع الجماعة، وهو ما سنبحثه فيما يلي.

ليس من المبالغة القول بأن علاج الشأن الداخلي للجماعة الأهلية أهم من علاج علاقتها بالجماعات الأخرى، ذلك أن تماسك الجبهة الداخلية أولوية مقدَّمة على التنافس مع الجماعات الأخرى، بل هو شرط تحقيق التفوق على بقية الجماعات في مختلف الأصعدة، لذلك أولى النص المؤسس عناية خاصة بالشأن الداخلي وأفرد له أجزاء هامة من قبيل تخصيص سورة خاصة للمنافقين والعتب الشديد على الثلاثة الذين خُلّفوا مثلا، فضلا عن العناية الخاصة بالعلاقة والتعامل مع قائد الجماعة المسلمة من قبيل {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} وكذا العتب على الذين يتسللون لواذا من مجلس النبي.

يمكن أن التمييز بين ثلاثة أصناف في تحديد مفهوم الجماعة في الإسلام، الأول هو الكفر الصريح الذي لا يلزم عنه التزام لا شعائري ولا أخلاقي، الثاني هو الكفر غير الصريح مثل ذلك الذي يلزمه ترك الصلاة، وهو المسمى بكفر النعمة، الثالث وهو النفاق هو كفر غير صريح له مؤشرات، وهو الأشنع على الإطلاق من بين الأصناف الثلاثة لكونه خطرا صريحا على الجماعة.

بينما الاختلاف بين كفر النعمة والنفاق نوعي، فترك الصلاة إبطال شعيرة وهو نكوص وتردّ عن مرتبة التعظيم الآية {ومن يعظم شعائر الله}، وما له من نتائج على مستوى التزكية المطلوبة في حدها الأدنى استنادا إلى جواب النبي على الذي وعد بالتزام الأركان دون إضافة {أفلح إن صدق}، ومن ثم كان إبطال الشعائر مرده الافتقار إلى التقوى، والافتقار إلى التقوى فعل متعدّ تعديا غير مباشر إلى الجماعة، بما ينتج عنه من إخلاد إلى الهوى والشهوات، أما النفاق فهو ليس مجرد تزوير حقيقة الضمير وإخفاء الكفر عن الجماعة بل يتعداه إلى خداعها عمليا كنتيجة حتمية، فالإنكار الشديد على المنافقين نابع من النهاية العملية وهي الخداع والتآمر مع الجماعة الأجنبية ضد الجماعة الأهلية، وهو ما يسمى في العرف الحديث بالخيانة العظمى بما هو تآمر على الوطن.

فالنفاق المؤدي إلى الخيانة العظمى مبدؤه فقدان إرادة الالتحام بالجماعة الأهلية ومشاركتها مصيرها الدنيوي، والسعي للارتباط بمصير جماعة أجنبية، وهو في النهاية انفصام شخصية قائم على شذوذ التصورات وانحرافها عن المجال الثقافي الأصلي، والبحث عن طبيعة ثانية تختلف عن الأصل والمنشأ الذاتي؛ نعرّج بعد هذا إلى تحديد مفهوم الجماعة ما هو؟

تحديد مركزي يقدمه القرآن للجماعة: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}، إذ لدينا هنا مفهومان (الأمة الوسط) و (الشهادة على الناس)، واختزالا “الأمة الشاهدة”، حيث الأمة من الأم ومعناه الأصل الذي تنشأ عنه الفروع، أي الانتماء إلى أصل ثقافي موحد، هو في الإسلام النطق بالشهادتين: لا إله، إلا الله، محمد، رسول الله.

أما الشهادة على الناس، فتتأسس أولا على شهود الحق، توصلا إليه وتعرفا عليه، حيث يغدو الحق إذ ذاك معيارا للشهادة على الناس، بمعنى أن يتبوأ المسلمون مكانة حفظ المعايير النظرية والعملية على المستوى البشري كونيا، نظريا بمعرفة الحق وعمليا بإحقاقه بما هو إمكان واقتدار على مستويات السياسة والاقتصاد والعسكرية على السواء.

أما الإمكان فهو بدايةً تحرير القدرات البشرية من الارتهان الرمزي والفعلي، وتحقيق غايةً الاستقلال بالرأي والقرار، ذلك أن استعادة مفهوم الأمة مرتبط بالثورة الروحية التي يحصل عنها انقلابة وعي تتيح استقلال الرأي والقرار تحوزه الجماعة، منتهاه الشهادة على الناس سعيا لتحقيق قيم الخير والعدل على المستوى الكوني، بدءًا من تحصين الجماعة الأم، الأمة المسلمة، ووصولا إلى تحقيق الاستخلاف الشامل، استنادا إلى أن الشرائع الإسلامية تطابق الطبائع الإنسانية في جوهرها، فما هي المعوقات الرئيسة التي تقف في وجه تحقيق تلك الغاية؟

أهم أطروحتين في هذا السياق، هما أطروحتا العرقية والمذهبية اللتان تقفان في وجه هذا الطموح الذي لا بديل عنه لتحقيق نهوض وسيادة لكل الأوطان المسلمة، ونص الأطروحتين كما يلي:

  • 1- الأطروحة العرقية: مادامت اللغة هي الوعاء الرمزي للعرق، فإن بقاءها هو الذي سيحفظ النظام الثقافي، وأن اندثارها يعني اندثار الجنس الحاضن له.
  • 2- الأطروحة المذهبية: مادامت العقائد هي الوعاء الرمزي للمذهب، فإن بقاءها هو الذي سيحفظ المنظومة الدينية، وأن اندثارها يعني اندثار الدين الحاضن له.

بداية لابد من فك الارتباط بين العرق والثقافة، وبين المذهب والدين، والتأكيد على أن الطرح العرقي إنما هو استعادة لماض تجاوزه التكوين الحديث للمجتمع البشري من خلال الدولة الوطنية، وأن الطرح المذهبي هو استعادة لماض تجاوزه التكوين الحديث للعقل البشري من خلال الفلسفة الحديثة، فلا يمكن أن يفهم الطرحان إلا على أنه آبائية ما تزال جاثمة على البناء النفسي للأمة المسلمة، ليس هناك من بد لتجاوزها، وباختصار فإن الدولة الحديثة أقرب نموذج عملي لتحقيق قيم الدين الإنسان، وأن الفلسفة الحديثة أقرب نموذج نظري لتحقيق قيم الإنسان الدينية، مع التداخل بين النموذجين النظري والعملي تداخلا يستحيل إلى وحدة تكاملية بالمعنى الذي وصفنا به دين الإسلام في مدخل المقال.

فتجاوز العرقية بمفهوم الدولة الحديثة من خلال مفهوم المواطنة يعني الانقياد لسلطة فعلية ذات أبعاد نفعية مباشرة، والاستغناء عن الانقياد للسلطة التاريخية التي لم يبق منها حقيقة ضمن التاريخ المعاصر إلاّ الاسم والذكرى، وليست مساعي استعادتها الراهنة إلا حشرجة ما قبل النهاية الأخيرة؛ طبعا لا إنكار للأعراق بوصفها معطى طبيعي، تندرج ضمن التنوع {وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا}، حيث التعارف بديل التناحر القائم على أسس الحمية العصبية.

لذلك كان مفهوم المواطنة البديل الشهودي الأوحد لكل الاختطافات الممكنة، أعني أن تكون المواطنة رغم كل التشويهات التي تحصل لها ورغم صعوبة تحققه التحقق الأمثل بسبب من مخلفات الرأسمالية والاستعمار الحديثين، التي ركزت في الأذهان معاني الطبقية والتراتب على مستوى المواطنة، ومع ذلك تبقى المواطنة بما تقره من حقوق فردية مطلقة الصيغة التاريخية الأمثل لكل التمثلات التراتبية طبقية أو عرقية.

كما أن تجاوز المذهبية في الفلسفة الحديثة من خلال التأكيد على الفكر بوصفه الشاهد الأوحد والأتم على الوجود الإنساني، والمرتبط بالقدرة على صنع القرار وتحديد المصير بما هو قيادة صرفة للذات باستقلال عن أي ارتهان خارجي، أعني وعي الإنسان باقتداره على تقرير مصيره بنفسه والتخلص من التبعية إلى أي استعادة تاريخية لتصورات ماضوية لإثبات هوية الإنسان في الاعتقاد أو التصور، بينما إثبات هوية الإنسان لا يمكن أن يحصل خارج الحدس الذاتي المباشر المتخلص من كل تحديدات مسبقة، وإعادة توجيه الرؤية إلى المستقبل بدلا من المكوث في الماضي، {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة}، فالنكث نكوص عن مبدأ المساواة واعتقاد العلو على الآخرين فرديا كان أو جماعيا، فلا إنكار للتنوع التاريخي الطبيعي لكن المعضلة تحوله إلى حمية أفكار وتصورات لابديل عن اعتبارها مجرد فروض احتمالية قابلة للدحض لا عقائد تحدد الهوية بشكل ينتج عنه تفاصل نفسي وروحي لا يمكن رأبه.

ومن ثم كان مفهوم الكفاءة الذاتية البديل الشهودي الأوحد لكل تحيز تاريخي وجهوي، بمعنى أن تتبوأ الكفاءة الذاتية بما هي قدرة على بلورة التصورات الذاتية الخاصة وكفاءة تقرير المصير الفردي مكانتها الرئيسة، ورغم العوائق التي تواجه مفهوم الكفاءة إلا أنه يبقى الملاذ الأوحد والأخير لصناعة المستقبل الممكن، بعيدا عن مخلفات عهود الدويلات والانتماء القبلي التي خلفتها عهود الانحطاط الإسلامي، والتي ركزت في الأذهان والأنفس معاني الجهوية والإقصاء على حساب الكفاءة، الكفاءة التي تبقى بما تحققه من التنافس الفردي الصرف على تبوأ المكانة والمناصب بعيدا عن كل تمثلات مذهبية أو طائفية.

لذلك، لم يعد أمامنا إلا الجزم بأن الصراعات الطائفية (عرقيا أو مذهبيا أو كلاهما معا) الحاصلة بين ناظرينا، ليست إلا عن صراع توازن قوى فعلية، لا تكون فيها العرقية والمذهبية إلا أداة وظيفية ثانوية في تحقيق نوازع مصلحية مباشرة لا مبدأ فيها إلا المكاسب الخاصة بعيدا عن كل مبدأ، أي أن الرأسمالية والاستعمار الحديثين يوظّفان بقايا الانحطاط الواصل إلينا من عصور التدهور الإسلامي، أعني بناء الدول وفقا لانتماءات العرق والمذهب والجهة والقبيلة.

أخيرا، تبقى المعادلة الحقيقية الأكثر إعضالا متمثلة في الأثر الحتمي الذي ستخلفه العقائد التي ما تزال فاعلة في الأنفس على السلوك السياسي الفردي والجماعي، ذلك الذي لا يمكن تشخيصه وعلاجه إلا بمنطق الإصلاح الداخلي للفكر الديني وتقويمه وفقا للمبدأين المتقدمين المواطنة والكفاءة، بعبارة أخرى العمل على استنبات “حركات نقدية” ذاتية داخل الفسيفساء العرقية والمذهبية في العالم الإسلامي، بما هي حركة إصلاح شاملة لكل المذاهب قديمها ومحدثها على السواء، ليس بالخروج من الأطر التاريخية بل العمل على إصلاحها داخليا لأنه الخيار الوحيد لاستعادة الروابط المفقودة عملا على تحقيق “ميلاد مجتمع” على غير مثال سابق.

على أن تكون الغاية في النهاية إضفاء الحس النقدي على العقائد التاريخية الذاتية، وإحالتها إلى أفق الالتزام الأخلاقي القائم على الكونية، وهذا كفيل بتحويل اتجاه الرؤية من مخاصمة تاريخ وعقائد الآخرين إلى العمل على إصلاح العقائد الذاتية، على أن يتحرر الإصلاح النقدي من الخلفية الكلامية العقيمة إلى الرؤية الحضارية الفاعلة، أعني يتم تقويم المذاهب كلها وفقا لقيم الدين الكونية (1).

(1)- نشر المقال لأول مرة على موقع الملتقى الفكري للإبداع بتاريخ: 2017/10/14

داخل المقالات
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029159
اليوم : 42
الأمس : 120
هذا الشهر : 1530
هذا العام : 19449
مشاهدات اليوم : 399
مجموع المشاهدات : 110071
المتواجدون الآن : 4