كورونا… رؤية في جذور مشكلة الجراثيم الحيوانية التي تصنع الأوبئة المميتة (الحلقة الأولى)

في غمرة كورونا واجتياحه للبشر في مختلف المناطق، يطالعنا الإعلام غالبا بما يزيد من المخاوف والرهبة عند المتابعين دون قدرة على تقديم صورة باردة تعرف بالوباء من جذوره أصلا وفصلا، ولما كان الحماس الآني والإرادة العاطفية هي طبيعة إنسانية محضة، تأتي محاولة بسط الظاهرة على مشرحة العلم البارد والمتأني لتقاوم الاجتزاء والعجلة التي يمرر به الإعلام القضية كيفما شاء لخطر أصبح كل واحد منا يشعر به على حافة أنفه وقدمه!

لذلك فإن الصورة المثلى التي ندخل بها إلى التحليل الآتي هو أن كورونا قد استباح البشرية على امتداد البسيطة، وصورة الشعور هو أن أجسامنا أصبحت معرضة إلى عدو أفتك من الطائرات الحربية والدبابات، عدو ناعم قد يتسلل إلى جسمنا الضعيف في غمرة لحظة حميمة كمصافحة أو تبادل كلمات بين شخصين، والأخطر أننا لا نشعر به إلا وقد جاء على تحطيم أهم ما نعتمده للعيش: الرئة؛ كورونا أو التاج أصبح يتمدد أفقيا بين البشر وعموديا في أجسامهم، كورونا قد يكون نتاجا مباشرا لتعامل أرعن مع الحيوان أو عن طريق فعل شرير قصدي، أيا كان والحال هكذا فنحن بحاجة ماسة إلى التعرف على أصول هذا الوباء حتى إذا أصابنا كنا أكثر حكمة معه.

أول ما بدأ كورونا في التمدد تذكرت دياموند ورائعتيه (مصائر المجتمعات البشرية) و(كيف تحقق المجتمعات الاخفاق أو النجاح؟) ومن علامات الإخفاق والانهيار الانهزام أمام العدو، أي عدو، هزيمة قد تصل إلى حد الفناء الديمغرافي، فتحت الكتاب الأول وعنوانه الرئيسي “اسلحة جراثيم وفولاذ”(1)، بحثت عن فصل الجراثيم فألفيت في طياته تنويرا عزيزا من الواجب نقله لكل عزيز، وفيما يلي إبحار في مسألة علاقة الجراثيم بجسم الإنسان، فإن لم يجد القارئ ذكرا لكورونا إلا أنه سيجد ما يجعله قادرا على تحديد المرض/الوباء يشغل البشر اليوم جميعا.

انطلق دياموند في بحثه حول مشكلة انتقال الجراثيم الحيوانية إلى المجتمع الإنساني بالتأكيد على أن انتقال الأمراض البشرية ذات الأصول الحيوانية يعود أساسا إلى تدليلها المفرط من قبل الإنسان(2)، ولذلك مؤشران:

1- الحب الأفلاطوني للكلاب والقطط وغيرها من طرف بعض البشر صغارا وكبارا.

2-  النسبة العالية من سكان العالم الذين يقومون برعاية أعداد هائلة من الحيوانات لأغراض مختلفة.

عادة لا تكون الأمراض التي تنتقل من الحيوانات المدللة إلى الإنسان مصدر إزعاج ونادرا ما تتحول إلى حالات خطيرة؛ وفي تلك الحالات النادرة والخطيرة تتحول فيها العدوى المرضية إلى أكبر مصدر لإبادة البشر في التاريخ البشري الحديث، فالجدري والانفلونزا والسل والملاريا والطاعون والحصبة والكوليرا كلها أمراض معدية ذات أصل حيواني.

والحقيقة الأكثر إثارة هنا هو الدور الحاسم الذي تقوم به الأوبئة في تشكيل التاريخ الإنساني، ولم تتفوق الحروب على الأوبئة في قتل البشر إلا في الحرب العالمية الثانية، لقد كان عدد ضحايا الميكروبات دائما أكبر بكثير مما يتسبب فيه جنرالات الحروب من قتل للبشر. (دياموند، 279)

انطلاقا من حقيقة أن الميكروبات هي نتاج طبيعي مثلنا نحن البشر، وأنها تتحول كبقية الأنواع الحية أولا وتبحث لها عن الأماكن الملائمة للعيش ثانيا يتساءل دياموند عن المنفعة التي يجنيها الميكروب من جعلنا مرضى، خاصة والمفارقة هي أن الميكروب يتسبب في قتل نفسه عندما يقتلنا؟!

أولا، يتم حساب كمية انتشار الميكروب استنادا إلى عدد الأشخاص المصابين بالعدوى، وغالبا ما تكون مدة انتشار العدوى وكيفية انتقالها من شخص إلى آخر العامل الحاسم في تحديد مدى انتشاره بين البشر، يطور الميكروب وكأنه كائن عاقل أدوات لنشر المرض من الحيوان إلى الإنسان بداية ثم من إنسان إلى آخر، والمعيار هنا هو أن الجرثومة التي تخلف ذرية أكثر هي الأفضل من حيث الفاعلية، وغالبا ما تشكل أعراض المرض الذي يسببه الميكروب الوسيلة التي يُكَيّفنا بها لتكوين قابلية نقل المرض عندنا، بينما يوجد نوع ثان من العدوى تؤدي فيه الجراثيم جهدا أقل لانتقالها من شخص إلى آخر، وهي (دياموند، 280 282).:

1- بعضها ينتقل من جسم الحيوان إلى جسم آكله، ويحدث أيضا عند البشر آكلي لحوم البشر،

2- وجراثيم أخرى ترابط في لعاب حشرة تنتقل من شخص إلى آخر مثل الملاريا والطاعون والتيفوس،

3- وأخر فإن أمكر انتقال للجراثيم يحدث بين الأم وجنينها مثل الإيدز،

4- بعض الجراثيم تعدل من عادات مضيفها ومساراته لتسريع عملية انتشارها، مثل السفلس الذي ينتقل بواسطة القروح التناسلية.

5- أما العطس والسعال فتنشر غيوما من الميكروبات لتلقي عدواها على أجسام جديدة.

يختم دياموند عرضه لكيفيات انتقال عدوى الأوبئة بالقول بأن ما ندركه على أنه “أعراض مرضية” هي بالنسبة للجراثيم استراتيجيات تنتشر من خلالها، أما بلوغ الجرثومة مرحلة قتل الجسم المضيف لها فهو نتيجة عرضية لاستراتيجيتها تستمح لها بالانتقال، وهو ما يعني أن موت الإنسان رغم جلله ليس إلا وسيلة تبقي بها الجرثومة على وجودها وتكاثرها وانتشارها؛ فموت الإنسان بسبب الجرثومة يعني أنه بالضرورة يكون قد نقل المرض إلى ضحايا جدد، بمعنى أن موت الإنسان بالجرثومة يعني أنها أنتجت الكثير من ذريتها داخله وهو ما يضمن انتشارا في أجسام الآخرين، لذلك فهي منتصرة من منظور استراتيجيتها في الانتشار رغم ما يبدو أنه مقتل لها بموت الإنسان الذي يحملها. (دياموند 283)

مواجهة الإنسان للجراثيم يبدأ أولا بتطوير الحمى كوسيلة دفاعية، حيث الحمى هي ميكانيزم دفاعي لقتل الجراثيم قبل أن تستفحل فينا، ومن وسائل الدفاع أيضا تحصين مناعتنا حيث تتكفل كريات الدم البيضاء وبعض الخلايا بالبحث عن الميكروبات الدخيلة للقضاء عليها، إننا نقابل بعض الأمراض بمقاومة مؤقتة مثل الانفلونزا والرشح العادي، وبالنسبة لبعض الأمراض التي هزمناها إلى حد الآن مثل الحصبة والجُدَري فإننا نحمي أنفسنا ضدها مدى الحياة بفضل التطعيم، ومبدأ التطعيم هو “أن نثير أجسامنا المضادة دون أن نضطر للدخول في تجربة المرض الحقيقي، وذلك من خلال حقننا بسلالة ضعيفة أو ميتة من الميكروب”، (دياموند 284).

إن الميكروبات الذكية هي تلك التي لها القدرة على تغيير تركيبتها لخداع الأجسام المضادة مثل الانفلونزا وذلك معنى تجدد ظهورها الموسمي، أما الميكروبات الأشد فتكا مثل الإيدز فله القدرة على تغيير الجزيئات المضادة طوال مكوثه داخل الجسم بما يمكنه من الحلول مكان الجهاز المناعي.

تتغير المناعة بصورة طبيعية من جيل إلى أخر استنادا إلى تغير الأنظمة الجينية التي تمرر إلى الذرية، وعلى أساس النظام المناعي يظهر الاختلاف في مستوى مقاومة الأمراض، إذ وعند ظهور وباء ما يكون حظ ذوي المناعة الأقوى أوفر في الاستمرار في الحياة من الذين يفتقرون إلى الجينات المقاومة، ذلك ما يجعل من بعض المجموعات البشرية المحددة جغرافيا وهوياتيا محمية بشكل أفضل من فتك الميكروب بأفرادها، مثل أن توفر الخلية المنجلية عند الأفارقة يشكل حماية لهم ضد الملاريا، وتوفر جينة التلف المثاني يحمي الأوربيين من الاسهالات البكتيرية. (دياموند 284 285).

أخيرا يقرر دياموند بأن جسم الإنسان هو المجال الحيوي الوحيد لعيش الميكروبات، لذلك فقد دخلت معه في صراع أبدي؛ إن ذكاء الميكروبات واستراتيجياتها في الحياة والتكاثر ينصب على الفتك بجسم الإنسان، ومقابل ذلك اشتغل الجسم الإنساني أيضا بتطوير حيل مضادة للتغلب على الجراثيم المهددة لسلامته وأمنه الصحي، فانتهى الأمر إلى أن غدى الإنسان محكوما في إطار من منافسة تطورية ذات طبيعية تصعيدية مستمرة نهايتها موت أحد الطرفين، (دياموند 286).

والمثير في كل ذلك أنه صراع طبيعي لا يستطيع الإنسان التدخل فيه بالوعي الكامل إلا جزئيا، فصناعته الدواء أو التدخل الجراحي هو أقصى ما يمكن أن يفعله، وتدل التجارب على أنها تدخلات غير مضمونة في غالب الأحيان، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأوبئة المفاجئة والسريعة الانتشار مثلما يحدث اليوم مع وباء كورونا الجديد، فلن يظهر المصل المضاد لكورونا ويتوفر إلا وقد غيّر شكل الخريطة الإنسانية قليلا أو كثيرا…

——————————————————

(1)- جارد دياموند، أسلحة جراثيم وفولاذ: مصائر المجتمعات البشرية،  ترجمة مازن حمّاد، الأهلية للنشر والتوزيع، عمّان، الطبعة الأولى 2007. والقراءة بين يدينا تتعلق بالفصل الحادي عشر من الكتاب بعنوان: هدية مميتة من الحيوان.

(2)- لكن المعاشرة الحميمة للحيوانات ليس فقط هي مصدر الداء، ذلك أن الأدهى هو بلوغ مرحلة من الهيام بها يصل ببعض البشر إلى معاشرتها جنسيا، وهو ما ذكره دياموند في مفتتح فصله الفصل الحادي عشر من كتابه أسلحة جراثيم وفولاذ ص 278 279، وأضيف هنا هو أن بعض الأمراض الحيوانية قد تنتقل إلى البشر عبر  الممارسات الغذائية المحدثة المتمثلة في تناول لحوم الحيوانات أو ألبانها أو بيضها.

داخل شروح
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029159
اليوم : 42
الأمس : 120
هذا الشهر : 1530
هذا العام : 19449
مشاهدات اليوم : 444
مجموع المشاهدات : 110116
المتواجدون الآن : 1