كيف يتحرر الأكاديمي والمثقف في العالم العربي من عُقمهما؟

قراءة في مقال “توجيهي” مُحكَّم(*).

هاجر أكثر من 2800 عالم وباحث أوروبي إلى أمريكا من الذين فروا من الاضطهاد النازي في ألمانيا أولا، فيما سمي بهدية هتلر، والاضطهاد السوفياتي من أوربا الشرقية ثانيا، الأمر الذي حشد في الولايات المتحدة خيرة العقول الأوروبية وانتهى أخيرا إلى تأسيس فلسفة قامت على تلاقح جرماني-أنغلوفوني شكلت بديلا يقابل ويتجاوز الفلسفة القارية التي قامت على تلاقح جرماني-فرنسي مؤسس على الآداب اللسانية ذات البلاغة والغنوض الصوفي ذي الغموض، وللأسف فإن الأخير هو الذي حظي بالاحتفاء والاقبال عليه قراءة وترجمة في المجال العربي.

فبينما أدت الفلسفة القارية إلى ظهور دعاوى “موت الفلسفة” فإن التزاوج الجرماني-الانغلوفوني أدى إلى ظهور فكرة “دولة الرفاهية” و ميلاد “عالم الحواسيب”، لذلك فقد شكلت الأولى خطرا على الثقافة العربية الميالة إلى الشعر والقصص والأمثال والعاطفة والاحتجاج بالنصوص الدينية، وذلك بعكس الثانية المضادة لبناء الذائقة العربية فهي تميل إلى المنطق والرياضيات وعلوم الطبيعة والتخطيط الإداري والتفكير المنفعي.

ميل العرب إلى الشعر والثقافة الأدبية واللسانية أبعدهم عن مفاهيم التحديث والتنمية، وعوضا عن الاهتمام بالطاقات المتجددة والأمن الغذائي مثلا غرق المثقف العربي في اصطلاحات الفلسفة القارية مثل الذات والآخر والهوية والاختلاف والشعرية والسردية؛ لكن اللوم ليس على الآداب واللسانيات لكن المعضلة في الذين تخصصوا فيها ممن مالوا إلى دراسة مفاهيم الفلسفة والذين لم يقدروا أن يروا إلى مفاهيم التنمية من خارج النقد الأدبي واللسانيات.

كل ذلك خلق مناخا فكرية عربيا بائسا يدور في فلك ما بعد الحداثة يؤمن بما يلي:

  • الحقيقة وهم وأنها ليست إلا تخيلات ذاتية.
  • المنطق آلة عقيمة لم تنتج منذ هجران الأرسطية.
  • العلوم الطبيعية آراء ذاتية موجهة رأسماليا.
  • الأخلاق الفاضلة مجرد اختيارات نسبية ومتغيرة.
  • الأنساق الفلسفية لم تعد ممكنة فقد أغلقها كانط وهيغل.
  • الفلسفة قد ماتت وفشل معها مشروع نظرية المعرفة.

جملة المغالطات هذه التي أدركها الانغلوفونيون جيدا جعلتهم يضربون صفحا تدريس أعلام ما بعد الحداثة عمدا، مثل فوكو وديريدا وجيجك، مع استدراك أنه برز في محيط الثقافة القارية علماء استناروا بنظيرتها اللاقارية مثل فالرشتاين وبودون وموران، ومن نكد الدهر أن اشهر ناقدين ثقافيين قد رفعوا لواء مابعد الحداثة وهما المسيري وإدوارد سعيد، كما عمق الجرح أيضا ظهور انغلوفونيين ذوي توجهات قارية أمثال رورتي وتايلر وباومن، بما كرس لمابعد الحداثة في المجال العربي.

هذا المسار غير المحظوظ للثقافة العربية يمنح الأحقية للشيخ الذي يجد في طلاسم هايدغر وليفيناس مضيعة للوقت وتلويثا للأذهان بما تنفيه من المنطق والمعنى والسببية الطبيعية، ويؤثر عليهما ابن خلدون بوضوحه ومنطقيته وتفوقه على الحداثة الطلسمية المزعومة، يؤكد المقال أن الأمر لا يتعلق باختيار تحكمي وانطباعي بين الفلسفتين: ففي العالم الانجلوفوني منظومة فلسفية متكاملة تفوق ما اشتهر عن القاريين بمراحل، وضوحا لغويا، واتساقا فكريا… ولحسن حظ المثقف الصاعد فإنه يتوفر على مترمجمات تتيح له الانفتاح على الفلسفة الانغلوفونية التي تقوم ببناء الأنساق الفلسفية بالوضوح المطلوب من خلال جزئيات الحقائق بالمنطق والعلم الطبيعي لتحقيق فضائل الأخلاق وبلوغ التقدّم، وهو البناء الذي يصدم أتباع الفلسفة القارية الذين خطفهم الغموض اللغوي والتشوش المنطقي الجاهل بحقائق العلوم الطبيعية والعزوف عن فضائل الأخلاق واليائس من التقدّم.

يطرح المقال سابوعا من  المؤلفات المحورية التي تعرف بالفلسفة التي يطرح لها، وذلك في موضوعات:

  • الوجود من منظور كوني
  • الاجتماع والثقافة من منظور تطوري
  • النظام السياسي الاقتصادي من منظور بيئي
  • الفلسفة من منظور اجتماعي ثقافي
  • الفلسفة من منظور اللسانيات المعرفية
  • الأخلاق من منظور التمدن والبيئة
  • تأويل المعارف من وجهة نظر منظومة العلوم

وينبّه إلى أنه ومن رغم المنشورات الوفيرة التي تطرحها كل من (سلسلة عالم المعرفة) و (المركز القومي للترجمة) و(المركز العربي للأبحاث) التي يبلغ عددها مئات الأبحاث والعناوين التي تنهل من الفلسفة الانغلوفونية إلا أن الاختصاص الدقيق لعناوينها لا يعين القارئ على الوصول إلى الكليات الجامعة لهذه الفلسفة النافعة؛ فهي فلسفة تستوعب وتتجاوز المنجز القاري وتوضح قصوده وتجعله أكثر استيعابا كما يلي:

–  ماركس وكدحه من أجل العدالة

–  تركيز فرويد على الغرائز

–  انغماس هوسرل في الوعي

–  انشغال غادامر باللغة

–  انتباه فوكو إلى السلطة

–  إصرار هابرماس على التواصل

لذلك، يؤكد المقال على أنه لا وقت لإشغال الطلبة المبتدئين بالمتهافت من تاريخ علوم الانسان والمجتمع، وأننا الآن نقف على حشد من المؤلفات الرصينة التي اجتهد المقال في تقديم خطاطة عنها، ويرى أنه لو اعتمدت في برامج جامعية وأكاديمية فإن ذلك سيؤسس لأرض خصيبة للمستقبل العلمي والفكري للأمة.

معضلة فلسفة التزاوج الجرماني الانغلوفوني أنها لا تقدّم أجوبة سريعة عن أسئلة الوجود الكبرى كما تفعل الفلسفة القارية وستصيب المعتاد عليها بخيبة أمل، لأنه لن يظفر بأنوارها إلا الجَلِد الصبور على مطلوبه المتحرر من حكايات سوق العلوم والأشعار البلاغية.

أخيرا يستبعد المقال أن يكون الأمر متعلقا باستبدال عبودية بأخرى، لكنه حسبه “دخول استكشافي وتجسس استخباري يقارن بين عقل فلسفة عقيمة وهي القارية مع عقل فلسفة ولاّدة وهي الانجلوفونية” وهو ما سيؤمن للمثقف العربي خروجا من الاستعبادين معا ولو بعد حين.

————————————————-

 (*) مجلة المخاطبات دولية فصلية محكّمة تعني بالمنطق والابستمولوجيا والفنون والتكنولوجيا، أحمد زهاء الدين عبيدات، بين الفلاسفة القاريين والانجلوفونيين: الاستطلاع الفلسفي العربي بين عبودية التقليد والعمل الاستخباري، العدد 34 افريل 2020.

داخل المقالات
أكتوبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031

الأرشيف

إحصائيات الموقع

027257
اليوم : 58
الأمس : 51
هذا الشهر : 1244
هذا العام : 17547
مشاهدات اليوم : 105
مجموع المشاهدات : 101960
المتواجدون الآن : 1