لمحة عن مشكلات التحضر والمجتمع المدني في الجزائر ودول المغرب

قبل أن نسأل كم عمر مجتمعنا المدني في الجزائر وبلاد المغرب؟ علينا أن نسال ما هي الظروف التي أدت إلى ظهوره؟ وقبل التفصيل في الجواب، مهم تحديد الإحداثيات الرئيسية للموضوع، وهي اثنتان:

1- إن لكل مجتمع مدني ظروف نشأ خلالها وقبل ذلك فكرة دفعت إلى ظهوره وتوجهه نحو غاية معينة، إذ ترتبط النشأ خاصة بنشأة حضارة جديدة تقطع مع الماضي الذاتي لتؤسس مجتمعا جديدا يقوم على قيم محدثة ذات خلفية فكرية يحدد طبيعتها منشؤوها.

2- إن في الجزائر وشمال إفريقيا مجتمع مدني يتموقع داخل المدن والحواضر ينقطع أفراده ظاهريا عن أصولهم القبلية والجهوية ويندمجون في مجتمع حضري متمدن تقوم العلاقات داخله على علاقات فردية لاشخصية متحررة نسبيا من العبء الجماعاتي القبلي والجهوي.

والحال في شمال إفريقيا هو أن المجتمع المدني يقع في محيط واسع من الجماعات القبلية والمحلية التي تقوم بتغذية متواصلة للوسط الحضري سواء بجماعات منجذبة إلى الحياة الحضرية أو بكفاءات فردية لتقوم بتسيير شؤونها، ولتخفيف الضغط عن الحواضر الكبرى تقوم عملية التحديث الفوقي الحاصلة بتوسعة المجال الحضري داخل الوطن من خلال بناء الأقطاب الحضرية وتوزيعها بشكل متوازن عبر مناطق الوطن.

ولئن كانت عملية تعميم التحديث وفك المركزية عن المدن الكبرى يسير بوتيرة متوسطة إلى ضعيفة من حيث التحديث التقني فإن التحديث بما هو تمدين الإنسان ذو الصبغة القبلية والمحلية يشهد عقبات كبرى سمتها الأولى أنها عقبات غير مرئية ولا متحدث بها، ذلك أن المطالبات العامة لساكنة المدن وحتى الأرياف تقتصر على جلب مظاهر الحداثة التقنية، دون أي اكتراث بتحقيق تقدّم في ترسيخ وتجذير الثقافة الحضرية في الإنسان الجزائري والمغاربي عموما.

لذلك فنحن أمام ظاهرة مقاومة حقيقة تمارسها الثقافة القبلية-المحلية في مواجهة التحديث وآلياته، ولما نتحدّث هنا عن تحديث المجتمع المحلي القبلي الطابع يعني ترسيخ قيم أساسية بديلة عن تلك المحلية غير المتناسبة مع طبيعة الحياة المدنية القائمة على المؤسسة الحديثة كبديل يقابل التكوين القبلي العصبي المترسخة جذوره في المجتمع على امتداد العالم العربي.
ويتمثل قطب رحى قيم التحديث في “الكفاءة” والمنافسة “النزيهة” على افتكاك “المكانة” وانتهاء إلى “التداول” وتحقيق التوازن الجهوي والإقليمي داخل القطر الواحد، فالمعلوم أن من بين أهم معضلات الحياة المدنية هو مفارقة “الكفاءة” وتحقيق “التوازن”، ذلك أن من معطيات الدولة الحديثة التقسيم الأوتوكتوني للمجتمع الشامل إلى أغلبية مطمئنّة وأقليات نشيطة ما يحدث خللا في توازن المكانات، حيث يعود التكوين الديني والعرقي والطبقي إلى الظهور مجددا وبالضرورة داخل الحياة المدنية ويتم التعامل معه كحقيقة صامتة أحيانا وناطقة أحيانا أخرى في ترتيب البيت الداخلي للأقطار.

إنسان المدن الكبرى في دول المغرب والجزائر خاصة نظرا للإحتلال الاستيطاني الذي تعرضت له وجد نفسه أمام إرث عمراني (حضري ومؤسسي) اندرج فيه قيصريا، إذ التحضر عند الإنسان المغاربي لم يحصل ضمن سياق تاريخي ذاتي ذلك ما جعل من ظاهرة التحضر مترددة ومضطربة بين التقدم والنكوص في تحضره وتمدنه.

فحتى وإن استحضرنا الحواضر والقصبات التي تسم الكثير من مدن المغرب الإسلامي الضاربة في العمق الحضاري والتي تقف شاهدا على الزمن الأهلي المعبر عن ذروة تحضر إنسان المنطقة، إذ ومن رغم كونه شاهدا على العراقة الحضرية الأهلية ومع احتفاظه ببعض القيم والتقاليد الاجتماعية الرمزية والفعلية فإن يبقى شاهدا على انفصال عن الماضي أكثر من كونه شاهد اتصال به، ذلك أن إنسان الحواضر والمدن الكبرى يعيش مفارقة صامتة بين الارتباط الرمزي بالماضي بتراثه العريق وبين اندماجه الفعلي في الحياة الحديثة المنقوصة وغير الكاملة، فزيادة على قيصرية التحضر والمدن في شمال إفريقيا، فإنه عرف ويعرف سياسات تحديث هش ومضطرب منذ عهود الاستقلال الوطني، سياسات قامت على غياب نماذج حكم أهلية وتخطيط مناسب للتطورات العالمية.

ومما تقدم نخلص إلى أن التحديث في بلدان المغرب وشمال إفريقيا عامة يعرف معوقين جوهريين يجعلان استكمال تحضره شبه متعذر وهما:

1- مقاومة الأبنية الاجتماعية المحلية ذان الطابع العصبي القبلي للتحديث.

2- تشظي الوجدان الحضري بين التراث العمراني الأهلي والحداثة الفعلية.

إن التغذية المستمرة التي يتلقاها الوسط الحضري من الجماعات المحلية المحيطة به (القبلية العصبية)، ليست بشرية صماء إنما ترفقها ثقافة أصلية تقتحم المجال الحضري، والمعلوم أن الثقافة الحضرية الكبرى تشكل تحديا لأفراد الثقافة المحلية الذين يتشكل لهم عزم غلاّب على تحقيق شروط الانتقال إلى المدن الكبرى فيكونون أكثر نشاطا، وذلك تأسيسا على حقيقة الجذب التي تمثله المدن الكبرى أمام إنسان المدينة الصغرى فضلا إنسان البادية والريف، حيث يتم اعتماد طرق شتى للإنتقال من بينها تحصيل الكفاءة المؤهلة سواء بنقل الاستثمار إلى المدينة أو تحقيق الشهادة العلمية، ووصولا إلى مدن الصفيح التي تعد الطريقة المثلى للإنتقال الجماعي عن طريق الإسكان، خاصة وأن الانتقال بين المدن لا شروط إدارية له.

ومع أن منطق الأشياء يقول بأن الإنسان القادم من خارج المدينة الكبرى سيتماهي ويندمج طبيعيا في الثقافة الحضرية، إلا أن ذلك لا يحدث إلا مظهريا دون أن يلامس الأعماق فلا نجده إلا في الشكل الحضري وطرق التواصل، فالقادم الجديد إلى المدينة يصطحب معه حس خفي بالمقاومة، مقاومة التمدن نظرا لما ترسخ فيه من تكوين يجعله يبحث دائما في خضم المدينة عن مواطنه أو شبيهه في التكوين التربوي والسموت الاجتماعية التي درج عليها، ومن ثم يعيد تشكيل هويته الأصلية داخل المدينة، فتلك الرابطة تعوقه عن الاندماج الصحيح والتام في العمران الحضري.

وإذا استحضرنا هشاشة مجتمع المدينة نفسه الذي يعيش مفارقة الماضي والحاضر وجدنا أن أهم معوق للتحضر هو المدينة نفسها التي استسلمت للغزو الهوياتي فلم تستطع تذويب القادمين إليها، لكنها ذابت في منطقهم، ذلك ما يجعلني أحكم في الأخير بالفشل الذريع لسياسات التحديث التي اعتمدت على الإغراق في التنظيم والتقنية دون العناية بالجانب البشري والثقافي، ومقياس هذا الفشل هو تحول كل مظاهر التحديث (المؤسسات والتكونولوجيا) إلى وسائل لإعادة إنتاج التعصب الجهوي والقبلي بدلا من العكس.

داخل المقالات
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029156
اليوم : 39
الأمس : 120
هذا الشهر : 1527
هذا العام : 19446
مشاهدات اليوم : 332
مجموع المشاهدات : 110004
المتواجدون الآن : 3