ميشال مافيزولي ونظرية “مابعد الحداثة”

حوار مع ميشال مافيزولي لمجلة الطِّباق (كونتربوان) نشر 05/01/2015

نعيش راهنا نزوع العالم نحو قيم الشرق

ميشال مافيزولي الأستاذ الفخري بجامعة السوربون، خصنا بهذا الحوار حول كتابه الجديد “نظام الأشياء”(1)، طور فيه من جديد نظريته عن مابعدالحداثة باعتبارها نمطا جديدا للحياة الاجتماعية لم نكد نشعر به أو ندركه بعد، فهناك تغير جذري حصل في المجتمع الغربي، يقدم لنا في هذا الحوار المؤشرات الدالة على هذا التغير والأسس التي يقوم عليها.

كونتربوان: كيف تفسر حاجة كل إصدار جديد لك إلى حوارات صحفية بأكثر من سابقه؟

مافيزولي: سبب ذلك ظاهرة طرأت منذ حوالي عامين أو ثلاث تتمثل في تلاشي التردد والخوف الذي كان يتملك الصحفيين من ما أسميه مابعدالحداثة، ذلك أن الانتلجنسيا قد بدأت تعير الاهتمام للتغيرات العميقة الحاصلة في المجتمع، هذا الوعي بالحقيقة والاعتراف بها هو الذي يفسر  الملاحظة الواردة في سؤالك، وهو ما أُنظّر له منذ سنوات عديدة.

كونتربوان: أنت تقول بأن مابعدالحداثة ليست “نهاية العالم” بل هي “نهاية عالم”، هل تعني بذلك أنها نهاية المجتمع الغربي؟ وهل ستفسح هذه النهاية المجال أمام مجتمع آخر؟

مافيزولي:  طبعا، الأمر قبل كل شيء متعلق بالصيغة، حيث الفكرة الأساسية الموجِّهة تنص على أن المجتمعات في حالة تحول شاملة، إذ يكفي التجول في العواصم الغربية للتحقق من ذلك، روما كأفضل مثال، حيث تبنى المعابد والكنائس على أنقاض النصب التذكارية المدمَّرة، وعلى غرار كل الحضارات الأخرى تعيش الحضارة الغربية ومنذ ألفي عام تحت تأثير  مستمر لظاهرة البناء والهدم.

ومن جهة أخرى فإن القيم الغربية هي التي سادت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وضمن السياق ذاته يأتي التاريخين المرجعيين المتمثلين في سنة 1868 (بداية عصر الميجي في اليابان) وسنة 1888 عندما أضافت البرازيل إلى علمها عبارة (نظام وتقدّم)، أما الملاحظ راهنا هو نزوع العالم نحو الشرق، ليس بالمعنى الجغرافي لكن بمعنى “كل ما ينفلت من هيمنة الغرب”.

أفول الفردانية

كونتربوان: في رأيك ماذا يميز هذا النزوع نحو الشرق؟

مافيزولي: تتشكل الثقافة من ثلاثة عناصر بسيطة: المأكل، الملبس والمسكن، فازدهار فن الطهي في فرنسا خلال القرن التاسع عشر  كان سمة مميزة أضفت الثقافة على المأكل، حيث اللحم من دون صلصة، البقول المتبلة … إلخ، وقد تغير الأمر سنة 1960 عندما اقتبس بول بوكيس النموذج الياباني: السمك نصف المطهو والبقول المسحوقة.

أما المسكن فيمكن أن نلاحظ بأن نمط العمارة الأوسماني (2) حيث الرواق والصالات المتجاورة يتراجع أمام الطابع المفتوح للمنازل “الفونغ شي” (3) الذي يعيد تعريف المحيط البيئي من خلال الثقافة.

أما بخصوص الملبس فإن التصميم الفرنسي الأنيق الذي ظهر مع سان لورون والذي يؤنّق النساء بالتنانير ذات الزوايا الحادة قد أخلى مكانه للألبسة المكوّرة والبذلات غير المتناسقة.

كونتربوان: أنت تنتقد الوثوقيين الذين يشجبون صعود الفردانية (4)، لكن ألا ترى أن ثمة تناقض بين شجبهم الظواهر التي تشير إليها، مثل حديثك عن اجتياح فكرة الفضاء المفتوح لهندسة المنازل وتحديدا تفوق المشترك على الفرداني؟

مافيزولي: أنا لا أتفق تماما مع فكرة صعود الفردانية، قال هيدغر: “نحن نمر من زمن الأنا إلى زمن النحن”، وأعتقد أن الحقيقة تكمن في هذا القول، لقد تأسست الحداثة على الفكرة الديكارتية “أنا أفكر إذن أنا موجود”، أما مابعدالحداثة  فتقوم على سيادة فكرة النحن.

دائما يتملكني الاندهاش عندما أرى طلبتي الصينيين والكوريين لا يفكرون إلا من خلال أطر جماعية، وذات الأمر ينطبق على البرازيل، البلد الحيوي وحيث الغياب شبه التام للفردانية.

كونتربوان: ألا يتعارض “الفكر الجماعي” بشكل أساسي مع الحريات الفردية؟

مافيزولي: كلمة الحرية مصطلح حديث، وأعتقد جازما بأن الحرية الفردية لا معنى لها في زمن مابعدالحداثة، إنها تتحول إلى “حرية جماعية” أو إن شئت حرية قَبَلية، فيها يُعرَّف الفرد من خلال ارتباطه بالآخر، القبيلة تشكل اختبارا قاسيا للحريات.

أما المظاهر الاقتصادية لهذا التحول فهي بادية للعيان، إذ النجاح الاقتصادي صار مشروطا بالانضواء تحت مجموعة اقتصادية صغرى، لقد صارت خطط إنشاء الشركات  مختلفة جذريا عن تلك التي كانت خلال القرن العشرين، إذ تنشأ وتتطور وفقا لرؤية الفرد الواحد، فالكلمة المفتاحية للقرن الواحد والعشرين أصبحت “المشاركة”، كما أن شيوع استعمال صيغة الجمع (Co-) مثال جيد على غرار الرحلات الجماعية (Covoiturage)، الكراء المشترك(Colocation) ، والتعاون  (Coopération).

إلا أن الخطر الأساسي الذي أتوقعه ضمن الإطار مابعدالحديث هو تشكل نمط سلوكي من “العِصابات”، وسواء اتفقنا مع أو اختلفنا مع أطروحات إيريك زِمُّور (وأنا أختلف معه) فإن الملاحظ هو قيام زملائه الصحفيين بسَحْله في الفضاءات العامة بسبب الأحكام المسبقة التي يحملونها عنه.

النموذج التربوي الفرنسي متجاوَز، والمستقبل للترشيد.

كونتربوان: حسب تصورك لمابعدالحداثة فإن العلاقة العمودية في تلقين المعارف في تراجع مستمر لصالح العلاقة الأفقية، فما مكانة التعليم ضمن مجتمع مابعدالحداثة؟

مافيزولي: غير سوي ! سيتناول كتابي القادم الذي سيصدر شهر مارس من بين موضوعات أخرى مسألة الترشيد، في الواقع إن إشكالية التنشئة الاجتماعية موضوع مشترك لكل الكائنات الحيوانية، فالشباب اليوم يتوفر على طاقة يجب ترشيدها عوضا عن محاولة كبتها لأن ذلك يؤدي إلى الانفجار، لقد اعتُمِدت التربية كشكل من أشكال التنشئة الاجتماعية خلال القرن السابع عشر مع المدارس اليسوعية وفلسفة الأنوار، وذلك سعيا منها لنقل الطفل من حالة التوحش إلى مستوى الحضارة، ومن ثم فيجب تربيته، والتربية تعني الترقية، وفي هذا المعنى تحديدا يكمن المبدأ الأساسي للعقلانية.

وإذا كان ذلك النموذج العقلاني من التربية متجاوز فإن البديل عنها هو نموذج الترشيد، التربية تقوم بالترقية أما الترشيد فيقوم بالمرافقة، وعندما نلقي نظرة على حقبة طويلة من التاريخ البشري نكتشف أن النموذجان كانا يتبادلان الهيمنة.

وقد لاحظت هذا التحول من خلال مسيرتي التدريسية بالسوربون، ففي البدايات كان واضحا بأن نموذج التعليم كان ذا اتجاه عمودي قائما على التلقين، أما في السنوات الأخيرة فوجدت نفسي أمام طلبة مجهزين بالحواسيب والهواتف الذكية يراقبون من خلالها كل المراجع التي أذكرها على الأنترنت بشكل آني، ويقومون بتذكيري بتاريخ معين أو مساعدتي في استذكار عبارة أو مقولة، وهذا يجعل من موقعي محل تشكيك، هذا المثال يبين بوضوح إحدى أسس مابعدالحداثة المتمثلة في التواطؤ بين التكنولوجي والتراثي.

كونتربوان: فمتى سيضطر النظام التربوي للتغيّر؟

مافيزولي: إن ظاهرة نزوع العالم نحو الشرق قد انطلقت، لكن لم يتم إدراكها بعد، إننا في المرحلة المتوسطة بحيث تحولت التربية إلى ترشيد لكن دون أن يتغير إسم التربية، على هذه المراحل المتوسطة اشتغل ألفْرِد شوتز الذي قام بنحت مصطلح “تكديس المعرفة” (stock of knewledge)، أي مراكمة المعارف بشكل يقيدنا ويحجبنا عن التصور السليم للوقائع المشاهدة، وهذا التعطيل يحصل عندما تبلغ الوقائع حدا من التحول تصبح فيه الحاجة ملحة إلى إنتاج خطاب ومفاهيم صالحة تتناسب مع الوقائع الجديدة.

هذا الذي حصل مع مفهوم مابعدالحداثة، وكما كنا قد قدّمنا فإنه مفهوم صِيغَ بالارتباط بالعهد السابق، فالحداثة التي نحت مصطلحها بودلير أول مرة من خلال كلمة “حديث”، كانت قد ظهرت بوادرها منذ أكثر من مائة سنة، ونحن الآن أيضا في بدايات عصر مابعدالحداثة، وعليه فوجب الانتظار بضعة عقود لاكتمال صورة هذه المرحلة الجديدة في التاريخ.

رغم الصعوبات، الشباب لا يعرف شيئا إسمه الخوف

كونتربوان: من المفاهيم التي قمت بنحتها مصطلح “الحكمة البيئية” (Ecosophie) ماذا تقصد بالبيئة؟

مافيزولي: تحاشيت استعمال كلمة البيئة (Ecologie) لكونها مشحونة بالدلالة السياسية، وفضلت استعمال مصطلح “الحكمة البيئية” لكونه أفضل مصطلح يعبر عن علاقتنا الجديدة بالطبيعة، خاصة عند الفئات الشبابية حيث نلاحظ لديها تطورا بالمقارنة مع الفكرة الديكارتية القديمة عن السيطرة على الطبيعة، هذا الوعي الجديد ملاحظ مثلا في التبذير الذي صار أقل من السابق.

كذلك، ومثل باقي الظواهر الاجتماعية نتجت ظاهرة الخمول التي تستفحل أكثر فأكثر وجيلا بعد جيل، فبعد أن كانت محصورة على فئة قليلة، ها هي تهيمن على عصرنا.

كونتربوان: يبدو أن متوسط السن من أسباب ارتفاع نسبة الطلاق، فكيف تقيّم مكانة الزواج في المجتمع مابعدالحديث؟

مافيزولي: لو أخذنا النموذج الفرنسي الذي يمثله عقد الزواج النابوليوني عندما تم اعتماده كان متوسط سن الزواج يقدر بـ 15 سنة، أما اليوم فإن زيجة عمرها 25 سنة تعني أكثر من 50 سنة من المعاشرة، وهذا يجعلنا نتخيل الملل الذي سيصيب العواطف خلال كل هذه المدة، ومن ثم فإني أرى أن بروز الاقتصاد الجنسي الذي تمثله مواقع اللقاءات التواصلية دليلا عليه.

لقد طور شارل فورييه نظرية عن الكعب العالي في مجلة “عالم الحب الجديد”، إذ ولفهم النظرية يضرب فورييه مثالا عن شاب عمره 20 سنة لا ينجذب جنسيا إلا لامرأة عمرها 60 سنة عندما تنتعل الكعب العالي، هذا المثال الطريف والشاذ يبين أن مكان اللقاء يؤثر بوصفه عاملا للاختيار ضمن العرض والطلب الجنسي واحتمال الزواج، الآن الأنترنت ومع مواقع اللقاءات هي أدوات فعالة وآنية للاختيار.

كونتربوان: إن ما توصلتَ إليه يجعلنا نتوقع تغيرات عميقة على المستويين الاجتماعي والمجتمعي، وأنت توصي بعدم الخوف من مابعدالحداثة، رغم أن الخوف يشكل أساس التفكير المحافظ والمستقيم، وهل ترى أن التصديق بشروح هوبز لشروط قيام الحضارة هي بالضرورة غير مفيدة؟

مافيزولي: أعتقد أن الأمر كذلك، فالحياة مقلقة بطبيعتها، وتحمل أخطارا، دائما يحصل غير المتوقع وغير المنتظر، لكني أتصور أن الحيوية تتلاءم مع الخوف، وبذلك يقل التوظيف وتظهر أزمة السكن … إلخ، فالشباب مستمر في تحقيق رغباته اللامحدودة، مقابل ذلك تلقي الانتلجنسيا بثقل خوفها على الشباب، ليس علينا الخوف من مابعدالحداثة، فالمجتمعات في عملية تحول مستمرة تتجذر فيها الحيوية، وهكذا هي الحياة.

——————————————-

( pages264) – Michel Maffesoli,  L’ordre des choses ,CNRS  Editions 2014(1)

(2)- نسبة إلى جورج أوجين أوسمان حاكم باريس وصاحب مشروع تحديث العاصمة الفرسية 1852- 1870 تحت إشراف نابليون الثالث.

(3)- يعني حرفيا (الريح والماء)، وهو فن صيني عتيق يُعنى بالتناغم مع المحيط البيئي للإنسان، يهدف إلى صحة الإنسان وسعادته.

(4)- يعني المستجوِب هنا بالفردانية التي يقصدها الوثوقيون تضاؤل الروح الجماعية المبنية على الفكرة الحديثة عن الوطن كإطار لتلك الروح، في حين أن مافيزولي يقصد بالجماعية وما هو مشترك الروح القبلية التي تشير إلى الجماعات الذوقية الصغرى التي حلت محل روح الوطن والمواطنة.

نشر المقال لأول مرة على موقع التقرير، الرابط: http://altagreer.com/%D9%85%D8%A7%D9%81%D9%8A%D8%B2%D9%88%D9%84%D9%8A-%D9%88%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%A7%D8%AB%D8%A9/

داخل ترجمات
نوفمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

029156
اليوم : 39
الأمس : 120
هذا الشهر : 1527
هذا العام : 19446
مشاهدات اليوم : 361
مجموع المشاهدات : 110033
المتواجدون الآن : 3