كورونا… رؤية في جذور مشكلة الجراثيم الحيوانية التي تصنع الأوبئة المميتة (الحلقة الثانية)

أسوأ أوبئة التاريخ البشري هي الانفلونزا التي اجتاحت العالم بعد الحرب العالمية الثانية والتي أتت على 21 مليون شخص، ثم يليه في درجة السوء وباء الطاعون البوبوني فقد قضى على ربع سكان أوروبا في الفترة ما بين 1346/1352، حيث بلغت نسبة الضحايا في بعض المناطق إلى 70 بالمائة، فكيف تتحول الأمراض المعدية أوبئة؟

  • من خلال الانتشار السريع وكفاءة انتقال الفيروس من الشخص المصاب إلى آخرين أصحاء.
  • من حيث أن نتائج المرض الوبائي تكون دائما واحدة من اثنتين: موت محقق أو شفاء تام.
  • تعافي السعداء من البشر وتماثلهم للشفاء النهائي يحصنهم من المرض لمدة طويلة.
  • يعتبر جسم الإنسان المجال الأفضل والوحيد لظهور الأوبئة فالميكروبات لا تعيش في التربة أو داخل أجسام الحيوانات.(دياموند 286)

 

لكن الخبر غير السار في كل ما تقدّم هو أن المرض لا يموت إلا مؤقتا، ذلك أن الميكروب يخلّف صغارا تعيش داخل الجسم تترعرع فيه إلى أن تكبر مجددا فتتحين فرصة لظهورها كوباء جديد، عندما تحصل الشرارة، والتي تتمثل في قدوم شخص من خارج الجماعة يحمل الوباء الذي هو متضمن مسبقا في أجساد المحليين. (دياموند،287)

تشير الدراسات إلى أن فيروس مثل الحصبة يمكن أن يتلاشى في التجمع السكاني الذي يقل عدده عن نصف مليون نسمة، بينما تكبر فرصة عودة ظهور المرض في الجماعات الكبرى نتيجة لارتفاع نسبة إمكان التقاء عدد كامن من صغار الميكروب في منطقة يوجد فيها المرض أصلا (دياموند 288)، بمعنى أن تحول المرض إلى وباء يقتضي شرارة تحدث بفعل التقاء المرض الذي يصيب أشخاصا بشكل مفرد مع صغار الميكروب المسبب له عند أفراد آخرين موجودين في بقعة واحدة بسبب الازدحام، أي العيش في منطقة كثيفة السكان.

فالازدحام والاستقرار أهم عوامل انتشار الأوبئة، ذلك أن زائرا واحدا  من خارج الجماعة المزدحمة والمستقرة في مكان واحد سيكون سببا كافيا لانتشار الوباء إذا جلبه معه، لأن أفرادها لا يملكون مناعة ضده (دياموند ص 288).

والمحصّلة أن آلية المرض المعدي تقوم على انتقال الاشخاص من منطقة إلى أخرى، وذلك استنادا إلى تاريخها مع المرض، فإذا لم تكن للجماعة سابق تجربة مع المرض، لم يكن لدى أجهزتهم المناعية أي إمكانية صد مسبق للميكروبات، (والمعلوم أن للجهاز المناعي ذاكرة يتعامل بها مع ما سبق إليه فيروسات أو ميكروبات)، فلا قدرة للجهاز المناعي على إنتاج الأجسام المضادة في فترة وجيزة تنقذ المصاب، أي أن الأمر متعلق أساسا بالفارق الزمني بين قدرة الميكروب على تحطيم الجسم وقدرة الجهاز المناعي على إنتاج المضاد الحيوي.

وهنا نصل إلى فكرة دياموند حول كون الأوبئة أداة من أدوات الحروب، وذلك بتعمّد الأعداء إصابة بعضهم البعض بالمرض، فقد يكون زرع الوباء في المجتمع محل الغزو أسهل بكثير من قصفه أو إبادته بالسلاح، كما قد تكون الأوبئة عاملا جزئيا في الحرب تتعمده الجماعة المهزومة للانتقام أو الجماعة المتنصرة لإبادة ما تبقى من المهزومين، هذا من الناحية القصدية التي تتعمد إلحاق الأذى، فماذا عن العدوى عندما تكون غير قصدية؟

يؤكد دياموند أن المجتمعات الصغيرة هي الأكثر قابلية وتعرضا للأوبئة الآتية من خارجها، بعكس المجتمعات الكبرى التي تشكل غالبا مصدرا للداء، وهذه قد تعتبر نقطة قوة إضافية للمجتمعات القوية حضاريا والتي تتميز بكثافة سكانها، والمجتمعات الصغيرة هي كذلك لأنها غير جاذبة للسكان وبالتالي تبقى كثافتها دائما بسيطة، لذلك فإن المجتمعات ذات الكثافة الديمغرافية مصدر قوة بيولوجية من حيث كونها مصدرا للأمراض، إذ وحتى وإن فتك بها المرض جزئيا يكون انتقالها إلى مجتمعات أبسط وأضعف أكثر كارثية وذلك لتواضع إمكاناتها وحتى لضعف قرارها السياسي في اتخاذ الاجراءات الحازمة التي قد لا ترضي الخارج و الداخل، وهو ما نراه مجسدا في بلدان أضعف من الصين والمرشحة لأن تعرف تهديدا أكبر مما حدث في الدولة المصدرة للمرض.

وعلى ذلك فإن المجتمعات الصغرى ليست محصنة بشكل كلي من ظهور العدوى من الداخل، وذلك عبر حيواناتها التي تخفي المرض داخلها، كما يمكن أن ينتقل المرض منها إلى العالم عن طريق حيواناتها في حال نقلها إلى بيئة جديدة؛ والواقع أن المجتمعات الصغيرة هي أكثر عرضة للأمراض المزمنة (دياموند، ص 289).

لم تكن أمراض الازدحام لتنشأ لولا ظهور المجتمعات الكثيفة السكان، ويعود ظهور المجتمعات ذات الكثافة العالية من السكان إلى حوالي 10000 سنة خلت، ثم تسارعت مع ظهور المدن الحديثة قبل آلاف السنين، أما ظهور الأمراض المعدية المألوفة فقد كانت حسب الجدول الزمني التالي:

المرض

زمن ظهوره

الجُدَري 1600 ق م
النكاف 400 ق م
البرص 200 ق م
شلل الأطفال 1840 م
الإيدز 1959 م

ومن الحقائق المهمة فإن للزراعة دور مضاعف في نشر الأمراض المعدية، فظهورها عمل على: (دياموند 290)

  • تكثيف وجود السكان في مناطق بعينها بنسبة تزيد عن الكثافة السكانية خلال مرحلة الصيد من 10 إلى 100 ضعف.
  • الاستقرار الذي يجعل قنوات الفضلات والمياه الشروب قريبة من بعضها البعض بما ييسر العدوى.
  • استعمال أكوام البراز كأسمدة والتي قد تكون مصدرا للعدوى كذلك.
  • ابتكار المزارعين لمخازن الطعام التي تجتذب الجرذان النقالة للأمراض.

والحاصل هو أن ظهور الزراعة بدايةً، والمدن غايةً، وفّر للميكروبات أفضل مجال للعيش والتكاثر، والأدهى هو طرق التجارة العالمية التي أصبحت تطوق أغلب مناطق العالم، خاصة مع توفر الطائرات التي يمكن أن تنقل المرض المعدي إلى أبعد المسافات خلال يوم واحد، وهذا الذي حدث بالضبط في تحول بؤرة كورنا من منشئه الأصلي في ووهان الصينية إلى إقليم اللومبارديا في إيطاليا، وقد يغادرها إلى مكان أسوأ…

لقد كشفت الأبحاث أن أهم العوامل المساعدة على انتشار أمراض الازدحام هي الحيوانات الأليفة التي تعيش معنا في المدن وما جاورها، فظهور الأمراض الوبائية يحتاج إلى الكثافة السكانية الضخمة وإلى حيوانات مدجّنه مثل الأبقار التي تكون مصابة وتنتظر نقل المرض إلينا، “إن الكثير من المزارعين الفلاحين يعيشون وينامون بالقرب من الأبقار وروثها وبولها ونفسها وبثورها ودمها، واستمرار علاقتنا اللصيقة بالبقر منذ 9000 عام مرت على تدجينها، هو وقت كان لفيروس الطاعون البقري للتعرف علينا في جواره”، (دياموند، ص 293).

هكذا، فإن بقاءنا بالقرب من الحيوانات يجعلنا دائما معرّضين لقصفها الميكروبي، إلا أن قليلا جدا منها ينجح في تأسيس نفسه كمرض بشري، لذلك فإن المسح السريع للأمراض الحالية يدلنا على أربع مراحل يتحول فيها المرض من مجرد إنذار إلى مرض بشري فعلي:

أولا: إن عشرات الأمراض التي نلتقطها من الحيوانات المنزلية والمدجنة، إلا أنها أمراض غير قادرة على الانتقال مباشرة إلى إنسان آخر، مثل أمراض: حكة القط، مرض المستشفيات الذي تسببه الكلاب، حمى الببغاء، الحمى المترددة، حمى الأرانب، وهي كلها ما تزال في مرحلة مبكرة من تطورها ولم تصل إلى مرحلة الوباء البشري.

ثانيا: قد يتحول ميكروب كان يسبب الأمراض الحيوانية فيصبح قابلا للانتقال المباشر بين الناس، ويسبب أوبئة تنتهي بسرعة لعدة أسباب منها العلاج بالأدوية الحديثة، أو توقف الوباء بموت حامله والمحيطين به أو شفائهم؛ مثل فيروس أونيونغ-يونغ في إفريقيا 1929، وهو وباء يصيب القرود وينتقل بسرعة إلى الإنسان عبر البعوض، فيروس فورت براغ ظهر في أمريكا 1942، مرض الضحك الذي ظهر في أستراليا 1959 مصدر أكل لحوم البشر من طرف سكانها الأصليين، وقد ألغت الحكومة الحديثة ذلك بعد تسيدها لأستراليا، مرض الإعتراق الانكليزي، أصاب أوروبا بين 1485 و 1552، مرض عرق بيكاردي في فرنسا بين القرنين 18 و 19، والأخيران مرضان وبائيان اختفيا قبل وقت طويل من اكتشاف الطب الحديث لوسائل التعرف على الميكروبات.

ثالثا: أمراض أسست نفسها في البشر ولم تتلاش بعد، كما لا يرجّح أن تتحول إلى امراض قاتلة، مثل حمى لاسا التي ظهرت في نيجيريا 1969 ومصدرها الجرذان، مرض لايم ومصدره بكتيريا حلزونية يصيبنا من عضات الفئران أو الغزلان، وأخيرا الإيدز الذي ظهر خلال سنة 1959 ومصدره القرود، وهو أكثر أمانا من سابقيه.

رابعا: الأمراض الوبائية الرئيسية المحصورة في البشر، وأصلها ميكروبات حية، وهي في الأصل مرض حاول القفز إلينا من الحيوانات لكنه فشل! (دياموند ص 294 295)، ومعنى ذلك أن الأمر متعلق بمحاولة فاشلة لكنها تركت أثرها على جسد الإنسان بما يجعله في حالة كمون يخوله عند استيقاظه مجددا لأن يكون مرضا إنسانيا خالصا.

وعموما فإن المرض ذو الأصل الحيواني ينتقل إلى الإنسان بشكل مرن لحيازته إمكان تغيير الوسيط الناقل كل مرة، فالتيفوس مثلا الذي مصدره الفئران كان ينتقل من خلال الذباب، ثم غيّر وسيلة انتقاله إلى القمّل، ولما نجح البشر في تطهير رؤوسهم منها صار ينتقل عبر السناجب (دياموند 295).

والمحصلة هي أن الأمراض في عملية تطور وتحول مستمر في قدراتها ووسائل انتقالها إلينا نحن البشر، تماما كما يبتكر جهازنا المناعي دفاعات جديدة كل مرة، وهكذا فإن حتمية لزوم الإنسان لكل من: 1 الزراعة، و2- الحيوان، و3- التمدّن الكثيف يفرض على جهازه المناعي يقظة وتكيف دائمين، ذلك أن الميكروب الصادر عن الحيوان والمتمكن من جسم الإنسان عبر الزراعة والتمدّن قد أعلن ومنذ البداية حربا وجودية لا هوادة فيها بينه وبين الإنسان، والإنسان لا حيلة واعية له، عدى المقاومة المناعية غير الواعية، إلا الطب الذي يجب أن يبقى دائما يقظا، واليقظة تكون عبر: 1- معرفة دقيقة بتاريخ الأوبئة وجغرافيتها، 2- معرفة دقيقة بإمكانيات الجهاز المناعي للإنسان، 3- توقع دقيق لما قد تصل إليه استراتيجيات الفيروسات المميتة، وعلى ذلك فإن الخطر يبقى دائما موجودا وظهورها متوقعا، على أن ظهورها غير المنتظم والمتباعد الفترات يشكل أيضا حالة قلق دائم لبني البشر على غرار الكوارث الطبيعية التي لايمكن توقعها وفي مقدمتها الزلازل…

 

داخل شروح
ديسمبر 2020
د ن ث أرب خ ج س
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

030104
اليوم : 14
الأمس : 83
هذا الشهر : 364
هذا العام : 20394
مشاهدات اليوم : 21
مجموع المشاهدات : 112367
المتواجدون الآن : 2