في أن أصل احتقار المرأة هو تجاهل الفروق بين الجنسين

مع مقارنة بين الغرب المعاصر والنص الإسلامي في مسألة أخلاق الجنس(*)

يبني أبويعرب المرزوقي نظرته للعلاقة بين الجنسين على المسافة الفاصلة بين “المرغوب” في المرأة عند الرجل/ وفي الرجل عن المرأة، وبين “الحاصل” عند كليهما بالنسبة إليهما، وهو ما يسميه بالموجود والمنشود، فالموجود هو ما حصل من ارتباط فعلي بين رجل وامرأة، أما المنشود فهو ما في رغبة كل منهما أن يجده في الآخر؛ هكذا فالإنسان وبالضرورة منشطر وجوديا بين علاقته بزوجه -الذكر أو الأنثى- المرتبط به فعليا وبين تصوره عن زوج متخيّل تهفو نفسه إلى أن يتحقق(1)، وتلك هي العلاقة المبدئية التي تحكم كل امرأة ورجل مرتبطان بعقد زواج لتكوين أسرة(2).

إن كل خلاف بين الجنسين ينشأ على أساس المقارنة بين الزوج الموجود والزوج المنشود -المثالي- سعيا إلى البلوغ بالزوج الفعلي إلى درجة الزوج المثالي المتخيل من خلال تغييره إلى أفضل مما هو عليه في الواقع، رجلا كان أو امرأة، فما هي الصفة الرئيسية -العابرة لجميع البشر- المرغوبة في كليهما، الرجل عند المرأة والمرأة عند الرجل؟

1- ماذا يرغب الرجل في المرأة وماذا ترغب المرأة في الرجل؟

تنشد المرأة في الرجل “الفحولة والقوة البدنية” وهذا النشدان يجعل المرأة في رغبتها أميل إلى أن تكون مادية، وينشد الرجل في المرأة “الجمال والقوة الذوقية” وهذا النشدان يجعل الرجل في رغبته أميل إلى أن يكون رمزيا، وهذا بعكس الشائع عن الرجل أنه يحكّم غرائزه المادية، فهو أحرص على حفظ الحياة الرمزية من المرأة، كما أن ذلك يجعل المرأة منطقيا مصدر القوة المادية ليس القوة البدنية الفردية فحسب إنما مصدر القوة المادية للجماعة المتمثلة في الاقتصاد والحرب.

بعبارة أخرى، إن طبيعة المرأة بذاتها جمالية لكنها تنشد القوة المادية، وهذا لأن تكلفة حياة المرأة أثقل طبيعيا وأخف شرعيا، وطبيعة الرجل عنيفة لكنه ينشد القوة الذوقية، وهذا لأن تكلفة حياة الرجل أثقل شرعيا وأخف طبيعيا(3)، فكل واحد من الجنسين يريد أن يحصّل من الآخر من لا يملكه هو، وهذا عين التكامل بين المطلوب فطريا، لذلك فإن النساء والرجال لن يتحرروا من المعيارين (الرغبتين الأساسيتين) بزعم أن التحضر يحرر منهما، فحتى وإن حصل فسيكون تعبيرا، لا عن تحرر وتقدم خُلُقي، بقدر ما يكون تعبيرا عن ذبول القوى الحيوية في الجماعة، وهذا ضار بالبشر.

إن كل محاولات تشويه تلك الصورة، أي مرغوبات المرأة في الرجل ومرغوبات الرجل في المرأة هو بداية انحطاط خُلُقي يحول العلاقة بين الزوجين إلى علاقة مجاملات ودبلوماسية بدل أن تكون علاقة حب متبادل، فيستحيل الزواج تأسيسا لشركة وليس لعلاقة حب حقيقي؛ فالزواج الدبلوماسي المؤسس للشركة هو تصور ذي نزعة نسوية تصبح العلاقة فيه بين الزوجين علاقة خارج إطار الزواج، وذلك بتحويل الخصوصيات الحميمية من المجال الخاص (البيت) إلى المجال العام (الأسواق والساحات) الذي يصبح “معرض بضاعة بحثا عن إشباع رغبة انتقلت من التحقيق الفعلي في خصوصية الحياة الأسرية إلى العرض السوقي للأبدان الجوعى”.

2- مركزية الحياة العضوية في العلاقة بين الرجل والمرأة:

إن أصل تكوين الأسر بما هي اللقاء العيني بين الرجال والنساء -هي حسب أبي يعرب- العلة التي مكّنت البشر من التعايش والتواصل داخل النوع الإنساني، بل إن العلاقة بين الجنسين هي أصل الصراع بين البشر وهي ما يغذي جذوته دائما(4)، لذلك فإن الحجة الرئيسة في تزييف المشكل هو فصل الثقافي عن العضوي في العلاقة بين الجنسين.

كما ينتهي المرزوقي إلى أن النزعة النسوية ترد أساسيات العلاقة بين الجنسين إلى البعد الثقافي إلى درجة نفي شبه تام للبعد العضوي من كيان الإنسان بجنسيه، وهذا ليس بالجديد! ذلك أن التأسيس الفلسفي اليوناني يقف عند تعريف حد الإنسان (الفرد) وتجاهل حد الجنس (الذكر والأنثى) تماهيا مع القول بأن المادة تتبع الصورة، وبالتالي فالفارق بين الجنسين أمر مادي لا يعتد به؛ وذلك تماهيا أيضا مع الفلسفات القديمة التي تعتبر المرأة أصل الخطيئة والشر، وقد تكرّس إبعاد المرأة تاريخيا وثقافيا فحصل عنه استبعادها من الأنشطة الفكرية استبعادا شبه تام نتج عنه تدني دورها في تاريخ الفكر الإنساني، لذلك فإن أصل تحقير المرأة فلسفي وليس ديني.

إذا وبالعكس فإن التقابل بين الجنسين يمثل في التصور الديني أهم عناصر الأخلاق بل هو أساس حياة الجماعة، فقد حرر الإسلام “العلاقة الجنسية” من الوظيفة الإنجابية واعتبر اللذة مطلبا لذاتها، وهي مطلب محمود؛ إذ تعد جاذبية المرأة حسب أبي يعرب المحرك الأول لكل الإبداعات ذات البعد الخيالي، من ذوق وإرادة وعلم وحرية وعبادة، كما أن سوية الحياة الجنسية هي الضامن لسوية الأمة، وبها تتعافى من كل الأمراض الأخرى؛ والحال أن الإنسانية اليوم تعاني من الحرمان في العلاقة السوية في الممارسة الجنسية.

المحصّلة، هي أن العلاقة بين الرجل والمرأة هي علاقة بين تركيبتين فرديتين معقّدتين، فالفرد ذكرا كان أو أنثى يتميز بأن مجهولاته عن نفسه والآخرين عنه أعظم من معلوماته، كما يتميز بتمثله لذاته وتأثير تمثله لذاته في نفسه وتأثير الذات في تمثل نفسه، وينتج عن ذلك ذات متعالية تعتبر في النهاية الأنا أو الذات الشاعرة بنفسها وبالعالم، ثم يضاف إلى تلك الذات زوجها من ذكر أو اثنى لتكتمل في الأخير الذات، بما هي الوحدة الأساسية للجماعة الأساسية(5).

3- أخلاق الجنس في النص الإسلامي وفي الغرب الحالي:

شُرع الطلاق في القرآن أساسا لتمكين المرأة من التعدد الجنسي -غير المتزامن- في حال لم تتحقق مرغوبات المرأة في الزوج الموجود، حيث يعتبر عدم تحقيق الإشباع الجنسي كافيا لطلب الطلاق، فيحق للمرأة البحث عن زوج منشود خارج نطاق الموجود، وذلك بلا عائد سلبي على المطلقة، وعلى العكس من ذلك فصورة المطلقة (الثيّب) في الإسلام أعلى قيمة من البكر، فكل أزواج النبي ثيبات عدى عائشة، وما زال هذا التقليد، تقليد الإعلاء من شأن المطلقة حاضر في بعض مجتمعات مثل موريتانيا، والعلّة أن تفضيل الثيّب رجولة، لأنه اختيار لا يخشى المقارنة مع زوج سابق بعكس البكر.

يعتبر الجنس في القرآن من العناصر الأساسية لتحفيز المسلمين على القتال والإقدام لتحقيق الانتصارات، وجعل الدنيا مطية للآخرة، وذلك حين جعل اللذة الجنسية من أعظم متع الآخرة في الجنة.

أما الغرب الحالي وعن طريق تشريعاته قد أزال المسافة الفاصلة بين الموجود والمنشود، فقضى على المنشود المثال، وجعل من المرغوب الممنوع مرغوبا متاحا بلا شروط ولا عوائق ولا مقدمات ولا فواصل زمنية، فالإسلام بتقنينه الشديد للمسألة الجنسية أعلى من قيمة الجنس والشوق إليه، وجعل من الجنس لقاء إنسانيا حيا، فالجنس في الإسلام ليس أمرا سهل المنال بحيث يتاح بيسر إلى درجة تُفقِد الرغبة في الطرف الآخر والقوة الجنسية، ويجعل من العملية الجنسية أقرب إلى الممارسة البهيمية التي لا ينصهر فيها الشوق إلى الجنس بحب الحبيب.

لقد انتهى الأمر بأخلاق الجنس الغربية إلى أن تصير احتفالا بالفرجة الجنسية بدلا من الجنس الحقيقي، فانتهى بها الأمر إلى:
1- إما حكاك الأجرب: التلذذ بتعذيب النفس بالتعري للتمثيل الجنسي بالتصوير في البورنو الفعلي.
2- أو مشط الأقرع: التلذذ بتعذيب النفس بالتستر للتمتع الجنسي بالمشاهدة في البورنو الوهمي.

وذلك عين الحرمان الجنسي الذي حصلت الاستعاضة عنه إما بالتعري للتمثل أو التستر للمشاهدة، وكلاهما في نظر أبي يعرب تعذيب للذات، فما يغيب فيهما هو ما يحول العمل الجنسي إلى بعده الإنساني الحي وهو: 1- الحب بما هو عاطفة صادقة و2- الشوق بما هو رغبة شديدة.

هكذا أصبح البحث عن المنشود البديل عن الموجود، فتحول الأمر إلى “نوع من الكَلَب الجنسي الذي يشبه انتقال النحلة بين الورود دون إشباع حقيقي”، بينما التقنين الذي فرضه الإسلام على الجنس حفظ له معناه وغرضه عندما جعله صعب المنال، بجعله البحث عن المنشود عسيرا، لأن سهولة الوصول إلى المنشود يدفع إلى إفساد الموجود لبلوغ المنشود(6) والله لا يحب الفساد. د. محمد عبد النور 2022/09/13

————————————————-

(*)- هذا النص عرضٌ لمقال أبي يعرب المرزوقي بعنوان: منطق العلاقة بين الجنسين داءٌ ودواء، نشر في موقع مركز ابن غازي للأبحاث والدراسات الاستراتيجية بتاريخ 2019/10/13، أعرضه لما يكشف فيه كاتبه من رؤى هي أقرب إلى علم الاجتماع من الفلسفة ولما ينطوي عليه من استعمال -واع أو عفوي- للزاد النظري السوسيولوجي، وتكمن الأهمية خاصة في الفقه المقتدر بتاريخية وفلسفة العلاقة بين الجنسين والمنظور الجنسي للعالمين الغربي والإسلامي…

(1)- والشرط أن لا يكون المتخيّل من الذكر أو الانثى عينيا، وإلا لاستحال إلى ضرّ أو ضرّة معلن أو خليلة أو خليل سري. لكن المسافة بين الموجود والمنشود حاصلة حتما في مبدأ الأمر سواء بقي المنشود مثالا أم تعين بعد ذلك.

(2)- وهذا ينسحب على كل علاقة بين البشر سواء كانت ثابتة أو عابرة، ففي العلاقات الإنسانية دائما موجود ومنشود، وتختلف المسافة بين المرغوب والحاصل في العلاقة بحسب القرب من التجانس بين المتفاعلين أو البعد عنه، لكن تبقى العلاقة بين الذكر والأثنى في الرابطة الزوجية-الأسرية أهم العلاقات الإنسانية على الإطلاق لدوافعها التأسيسية وغاياتها المنشودة التي ذكرها أبويعرب في المقال بين أبدينا.

(3)- تحتمل النساء من الناحية الطبيعية الولادة والرعاية للذرية تحقيقا للمطلب الرئيس للرجل وهو التكاثر، بينما يحتمل الرجال من الناحية الشرائعية خوض الحروب الدفاعية تحقيقا لمطلب النساء الرئيس وهو العيش في أمان، كما تحتمل المرأة التزين للرجل ويحتمل الرجل أن يشبع الرغبة الجنسية للمرأة، فالمعلوم أن المرأة هي التي تضبط إيقاع العملية الجنسية وتفرض على الرجل الاستجابة لطبيعتها في سبيل اكتمال الممارسة الجنسية وتمامها، فكأن المرأة هنا هي التربة الطبيعية التي تعمل بعفوية بينما على الرجل أن يستجيب لمقتضيات طبيعة تلك التربة بإرادته الواعية.

(4)- وهو ما يؤكده علماء الأحياء التطوريين في أن أصل تشكل الشبكات الحيوانية داخل النوع الواحد يتحدد بحيازة الذكور للإناث، وارتضاء الإناث للذكران الأقوياء، فلا نشهد تناطحا بين ذكرين من نوع واحد إلا كان سببه الغذاء سعيا للبقاء أو الإناث سعيا للتكاثر.

(5)- لذلك يقال عن الرجل عند زواجه بأنه أتم نصف دينه أو عن المرأة بأنها أتمت نصف دينها، فبالإضافة إلى كونه تكليفا شرعيا، هو أيضا من الناحية الطبيعية استكمال لمتطلبات الذات التي ستبقى مبتورة دون زواج… إضافة إلى ذلك نجد أن تحليل الذات عند أبي يعرب في هذا الموضع أوغل في التنظير لمفهوم تفاعل الذوات، ومؤكدا مقولة أن الشخص الواحد ليس ذاتا واحدة إنما هو على الأقل ذوات متعددة، وهذا يصب في صلب النظريات التفاعلية في علم الاجتماع.

(6)- ما نراه ونسمعه من قصص الخيانات الزوجية للمشاهير والمغامير تكاد تصبح الخبز اليومي للإعلام العام والخاص، فرغم الإباحية الجنسية التامة المعلنة في الغرب إلا أن قصص الغيرة والخصومات ومسمى الخيانة الزوجية لا يغيب عن الظهور المستمر…

داخل شروح
فبراير 2023
د ن ث أرب خ ج س
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

088464
اليوم : 40
الأمس : 88
هذا الشهر : 208
هذا العام : 2513
مشاهدات اليوم : 115
مجموع المشاهدات : 282460
المتواجدون الآن : 2