في الفصل والوصل بين سلوكات الإنسان ومواقفه: محاولة

ينبني الاجتماع البشري كله على جملة 1-سلوكات و2-مواقف يأتيها البشر أفرادا وجماعات، فتعرف الأولى في عرف علماء الاجتماع بالفعل الاجتماعي، وتعرف الثانية في اصطلاحهم بالعقد الاجتماعي، فكل سلوك فعل لأن له قصدا وغاية نفعية، وكل موقف عقد لأنه التزام خلقي مع ذاتٍ(*)؛ ومحصّل ذلك أن لكل فعل اجتماعي إطار خٌلٌقي يتحيز ضمنه، وتفصيل ذلك كما يلي:
1- السلوك تصرف أو ممارسة، محدود في الزمان والمكان يأتيه الإنسان مع نفسه أو مع آخرين أو مع أحياء أو جمادات، ومجمل السلوكات تحصيل منافع للذات أو للغير، حسية أو شعورية، حيث سمة السلوك المنفعة الآنية المباشرة تساير الواقع لتحصيلها.
2- الموقف التزام أو تعهد، ممتد في الزمان والمكان، يأتيه الإنسان مع نفسه أو مع آخرين أو مع أحياء أو جمادات، ومجمل المواقف تحقيق التزام مع الذات أو مع الغير، مصلحة أو مبدأ، حيث سمة الموقف إحقاق المبدأ فعليا بلا إرجاء، قد يصطدم بالواقع لتحقيقه.
والفصل بين السلوك والموقف، ليس إلا للضرورة النظرية، أما فعليا فيستحيل الفصل بينهما، ذلك أن المواقف لا يمكن أن تظهر للعيان إلا بالسلوك، وأن السلوكات لا يمكن أن تحصل إلا على أساس موقف خٌلقي، ولما كان السلوك مبنيا على العادة الصماء، والموقف مبني على الشعور الحي، فإن إشكاليتان أساسيتان تعترضان “الكدح الإنساني” بما هو مجموع سلوكاته مع مواقفه، بغض النظر عن كونها سوية أم لا.
فالإشكالية الأولى تتمثل في خطر التعارض الفعلي العميق السلوك مع المواقف، ذلك أن الإنسان قد يعقد التزاما وهو غير مستعد أو مهيأ للإتيان بتكلفته، أعني عدم استعداده لمخالفة الواقع، وذلك عندما يتعارض عنده تحقيق المبدأ البعيد الأثر مع المنفعة القريبة، فتفقد السوية الإنسانية عندما يصبح الموقف الخلقي متحركا وغير ثابت أمام إما إغراء المنفعة أو إرغام الواقع، فيجد الإنسان أن الشقة بينه منافعه التي يهواها وبين مبادئه التي يعزها.
والإشكالية الثانية تتمثل في شبهة التعارض الوهمي السطحي بين السلوك والمواقف، ذلك أن الإنسان قد يسعى لتغيير عميق لسلوكاته، وهو ما يمر حتما بتغيير الموقف عبر تجربة شعورية حية، وأن تحقيق الوصل بين الموقف الشعوري والسلوك الأصم قد يستغرق فترة تقصر أو تطول، وذلك بحسب رسوخ العادة فيه وعمق التغيير في الموقف، فيحصل “وهم” الثبات في السلوك وعدم إمكان التغيير، سواء عند الأجنبي فهو لا يرى التغير الشعوري المتحقق، ولا حتى عند ذات الشخص العازم على التغيير قد ييأس من تعارض سلوكه فيظن التغيير مستحيلا.
وعليه فالتعارض بين الموقف الشعوري والسلوك الأصم قد يكون دليل انحراف عن السوية، كما قد يخفي وراءه تجربة عودة إلى السوية.
والمحصّلة، أن المسؤولية الإنسانية كلها تجتمع في موضوع “الكدح” الذي هو جماع السلوكات والمواقف، فهو بالضرورة سالك لسلوكات وهو بالضرورة واقف في مواقف، لذلك فإن الأهم في كل هذا هو وعي الإنسان بحالته، فهي إما إلى إصلاح وسوية وهي إما إلى انحراف واعتلال، وإدراك أن سير الزمن بالإنسان توافقه حركة في انفصال سلوكه عن مواقفه أو اتصالهما. والله أعلم. د. محمد عبد النور
(*)- أي ذات، ذات الملتزِم بالعقد نفسه، ذات فردية أو جمعية تاريخية، أو ذات متعالية تجسدت في نص ما تاريخي أو مقدّس.

داخل المقالات
فبراير 2023
د ن ث أرب خ ج س
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

088464
اليوم : 40
الأمس : 88
هذا الشهر : 208
هذا العام : 2513
مشاهدات اليوم : 122
مجموع المشاهدات : 282467
المتواجدون الآن : 1