كيف تتم النقلة من الحسي إلى الشعوري إلى الوهبي؟

دائرة الإدراك المربعة كيف تكتمل؟
المادي حسي متعلق بالعالم الخارجي للإنسان وإدراكه بالحواس المباشرة، أما الشعوري فهو إدراك الإنسان لعالمه الداخلي وما يتجاوز القياس الكمي للعالم الخارجي إلى المعيار القيمي الذي يتجاوز مجرد الكم، حيث الكم أدنى مرتبة من الكيفي عندما يكون مبنيا على معيار موضوعي سليم، فالشعور هو إدراك للعالمين بالتزامن أو بغير تزامن، وهو أيضا إدراك للعلاقة بينهما، على أن الحس ذاته لا ينفصل عن الشعور إلا أن خضوعه للقياس الكمي يعيق الإدراك عن بلوغ الكنه.

وعليه فإن العوالم الثلاث هي في الواقع -وبادي الرأي- متداخلة، لكنها متراتبة أيضا، فإذا كان الشعور أعلى مكانة من الحس، فإن الوهب أعلى من الشعور لكنه يتوقف عليه، فالوهب لا يحصل إلا عند درجة معينة من عمق الشعور، وعمق الشعور فترة من الانتباه العقلي المتزامن مع سكون الحواس (الجسد)، حيث الشعور خروج من حالة الارتهان للعالم الخارجي إلى الحضور في الهنا والآن، وهذه الخطوة الأولى باتجاه الحصول على الوهب.
أما الخطوة الثانية فهي أن الوهب ليس حصرا على فئة إنما هو ممدود للجميع، لكن الإنسان يحصّل القدرة على افتكاكه من مصدره، بعد إدراك أسبابه ولو بغير وعي، فالوهب ممدود لكل حسب مطلوبه نوعا وكما، ولا سر فيه إلا الطلب والصدق والجد في تحصيله، {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء، وما كان عطاء ربك محظورا}.
ومن أمثلة التداخل بين العوالم الثلاث أن المعرفة المستنتجة حسيا لا يمكن أن تحصل عن الحس بمفرده، ففي كل تحصيل لمعرفة علمية شيء من الحس وشيء من الشعور وشيء من الوهب، مع إمكان الغلبة لأحدها، بينما الإشكال هو في توظيف الوهب خاصة في علاقته بالوحي النبوي الجلي، ذلك أن الوهب سيستحيل في حال انحلاله من الخضوع لمقتضيات التاريخ الروحي الثابت إلى روحانيات مزيفة منقطعة عن كل صلة بالمتعالي، رغم أن استمرار الوهب بعد تحصيل شروطه قد يوهم بعكس ذلك.
ومن المهم الربط بين الوهب الآني للإنسان وبين الوهب المحقق في التاريخ الروحي للبشر وهو الوحي، فلا شك أن الوهب مستويات، والوحي للأنبياء أعلاها على الإطلاق، ومن دلائل سمو الوحي النبوي هو جلاؤه الآني في معان وكلمات وألفاظ مباشرة، أما الوهب للعموم فبقدر ما هو جلي في الذهن يبقى منه في النفس ريبة ما لم يرسخ بالدليل الحسي والشعوري الموافق له.
ثم إن الوهب العمومي، يبقي حدّه الوحي الجلي للنبي صاحب الرسالة الخاتمة، فهو عندنا القرآن، بحيث أصبح الوحي المدون المحفوظ بمثابة الكون المنثور في النص الحفوظ، يتضمن ما البشر بحاجة إليه مما يتجاوز المدارك الحسية والشعورية والوهبية، فكما أن الطبيعة مصدرها سببي صادر عن عالم الشهادة عبر الحس فإن الشريعة مصدرها أمري صادر عن عالم الغيب عبر الوحي (المتجلي والمنقول عبر ظاهرة اللغة التاريخية)، لذلك فإن ثوابت الشريعة متفلّتة من الزمان والمكان، بعكس عالم الطبيعة الراسخ في السببية الزمكانية.
وعليه كانت المراتب الثلاثة للإدراك: الحس والشعور والوهب كلها مراتب تقع في عالم الزمكان الطبيعي، مع خصوصية الثالث في كونه يمتح من مصدر غيبي (مجهول الأسباب أو سببيته معكوسة) لكنه خاضع لأسباب حصول، بينما أسباب النزول القرآنية تثبت خضوع نصه للطابع السببي مع تعالي مصدره، وهذه حالة نموذجية للاحتذاء بخصوص الوهب، وليس للأرخنة كما يفعل غير المستوعبين لحقيقة علوم الوهب تاريخيها ومطلقها…
أما المرتبة الرابعة للإدراك فهي المتح من الوحي النبوي الجلي في النص المخلّد (ومن عجائب خلوده هو كونه خلود ممكن التحقق بالقياس الحسي إلى اليوم)، إذ وبالتقاء الوهب العمومي بالوهب النبوي المخلد تكتمل دائرة الإدراك، والتي هي المدخل الوحيد لإحياء النفوس وإحياء المعاني فيها لما يحصل عندها من تواشج بين معايشة نتائج التجربة الروحية الفردية مقرونا بالاستلهام من خلاصة التاريخ الروحي العام للبشر… والله الموفق
د. محمد عبد النور
داخل المقالات
فبراير 2023
د ن ث أرب خ ج س
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728  

الأرشيف

إحصائيات الموقع

088466
اليوم : 42
الأمس : 88
هذا الشهر : 210
هذا العام : 2515
مشاهدات اليوم : 155
مجموع المشاهدات : 282500
المتواجدون الآن : 1